* د. يسين العمري
منذ سنة 2018 برزت بعض المطالب التي وصلت ذروتها بتوقيع 100 شخص لنداء يطلب من الحكومة المغربية إلغاء التوريث بالتعصيب، بزعم أنّه فقط اجتهاد فقهي أكل عليه الدهر وشرب، وأنّه قابل للملاءمة مع مقتضيات العصر، وبحكم أنّ فيه إجحافاً على المرأة، ويحرم البنات من ميراث آبائهنّ، وأنّ على المغرب أن يلتحق بركب بعض الدول العربية الإسلامية التي قامت بنفس الخطوة… إلى آخره، ومناسبة تناولي للموضوع هو تفاعلي مع اقتراح الأخ أنور من مدينة تاونات عاصمة قبائل جبالة الكرام، حيث طلب مني عبر بريدي الإلكتروني أن أكتب في الموضوع، حيث ذكر أنّ تلك المطالب بإلغاء التوريث بالتعصيب تطاول على الدين… إلى آخره.
أولاً، يا سيد أنور ليس جديداً على بعض “الحقوقيين” المطالبة من حين لآخر بأمور ربّما تكون أحياناً صادمة للغالبية الساحقة من المجتمع، مثل المطالبة بالمساواة التّامّة للمرأة بالرجل في الإرث، وبالتالي إلغاء آية “للذّكر مثل حظّ الأنثيين”، وأشياء كثيرة أخرى تشوّش بشكل أو بآخر على الهوية الدينية والأمن الروحي للمجتمع، مثل المطالبة بإلغاء تجريم الإفطار في رمضان عمداً، والمطالبة بإلغاء تجريم وعقاب الشواذ جنسياً، ومطالبتهم بإقرار حقّ المرأة في الإجهاض… إلى آخره، وبالتالي لا ينبغي أن يفاجئك أو يفجعك هذا الأمر، فهو أمر بات متكرّراً، وهو شئنا أم أبينا جزء من حرية التعبير والرأي المكفولة لهؤلاء الجمعيات والأشخاص بحكم القانون والدستور، وكذلك يمكننا اعتباره جزءًا من التسامح الذي يمكن أن تقبله الأغلبية من الأقلية بالسماح لهم بالتعبير عن مواقفهم بحرية وأمان، مالم تؤدّي إلى الإضرار بالنظام العامّ، وأخيراً هو جزء من التدافع الإنساني الحضاري، وهي سنّة إلهية “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض” سورة البقرة الآية 251، وبالتالي لولا أفكار ومواقف هؤلاء لما انبرت لهم أقلام العلماء الأفاضل والمشايخ الأجلاء والباحثين لتتصدّى لفكرهم بالفكر ولحججهم بالحجج ولمنطقهم بالمنطق، وبالتالي الأمر كلّه حرب أفكار، وسيغلب في نهاية الأمر من له أرض صلبة يقف عليها، وبالفكر ستثبت القلوب على ما هو صحيح في النهاية.
ثانياً: سأحاول الآن الردّ على أفكار أولئك “الحقوقيين”، فقولهم بأنّ حكم التوريث بالتعصيب مجرّد اجتهاد فقهي ورأي في غير محلّه حالياً، وقد تجاوزه العصر، وينبغي ملاءمته، قول مردود عليه، فحكم التوريث بالتعصيب مبنيٌّ على أدلة نقلية عامة من السنة والإجماع الذي كان مستنده النص، ولم يكن مبناه على الرأي والاستحسان كما يروج “الحقوقيون” المطالبوه بإلغائه.
وقبل سرد بعض الأدلة التفصيلية من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، أبدأ بتعريف التعصيب اصطلاحياً: هو الإرث بغير تقدير، والعصبة في المواريث هم الذكور الذين يرثون بلا تقدير، وهم كل من يأخذ جميع المال عند الانفراد، أو يأخذ الباقي بعد أخذ أصحاب الفروض فروضهم وحقوقهم، وقد لا يبقى له شيء. وجهات العصوبة بنوّة، ثم أبوة، ثم أخوة وبنوهم، ثم أعمام وبنوهم.
إنّ الدليل على توريث العصبة مستمد من كتاب الله وسنة نبيه وإجماع الأمة، فالأدلة العامة التي دلت على التوريث بالتعصيب من القرآن الكريم في المقام الأول، يمكن الاستدلال بالآية 11 من سورة النساء: “يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما”.
أمّا عن سبب نزول هذه الآية، فكانت بسبب سؤال زوجة سعد بن الربيع، وكان ممّن استشهد في غزوة أُحُد، وقد أخذ أخوه مال ابنتي سعد، فلم يترك لهما مالاً، قال جابر رضي الله عنه، فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى عمّهما فقال: “أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمّهما الثمن، وما بقي فهو لك”.
أمّا الدليل من السنة النبوية المحكمة، ما رواه الإمامان البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: “ألحقوا الفرائض بأهلها، فما تركتِ الفرائض فلأولى رجل ذكر”. وممّا يلفت النظر فإنّ أخت الميت ترث بالتعصيب بإجماع الفقهاء، رغم أنّ المرأة لا تكون عصبة، فالعصبة كل ذكر يدلي بنفسه بالقرابة ليس بينه وبين الميت أنثى، ولكن جرى على لسان الفقهاء تسمية الأخت مع بنت الميت عصبة، وقد بين القرطبي – نقلا من فتح الباري لابن حجر- سبب ذلك فقال: “وأما تسمية الفقهاء الأخت مع البنت عصبة فعلى سبيل التجوز؛ لأنها لما كانت في هذه المسألة تأخذ ما فضل عن البنت أشبهت العاصب”، ولا أدري هل تطرّق أولئك “الحقوقيون” لهذه الحالة في مطالبهم أم لا، فها هي امرأة ترث بالتعصيب بإجماع الفقهاء، فهل هذا الاجتهاد بدوره ممّا عفا عنه الزمن؟
وهذا الحكم محل إجماع بين أهل العلم، وقد نقل هذا الإجماع غير واحد من العلماء، من بينهم:
ـ أبو الحسن ابن بطال المالكي في كتابه شرح صحيح البخاري قال: “وأجمعوا أنّ ما فضل من المال عن أصحاب الفرائض فهو للعصبة”
ـ أبو الحسن ابن القطان الفاسي المالكي في الإقناع في مسائل الإجماع قال: “وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها، وما بقي فلأولى رجل ذكر»، وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل المال للعصبة.وأجمع أهل العلم على القول به”.
ـ أبو زكريا يحيى النووي الشافعي في شرح مسلم قال: “وقد أجمع المسلمون على أن ما بقي بعد الفروض فهو للعصبات يقدم الأقرب فالأقرب،فلا يرث عاصب بعيد مع وجود قريب”.
إذن فالتوريث بالتعصيب حكم الدّين بنصّ القرآن الكريم، وبسنّة النبي عليه الصلاة والسلام، وبإجماع علماء وفقهاء الأمّة حيث يستحيل إجماعهم على ضلال مصداقاً لقوله عليه السلام “لا تجتمع أمتي على ضلال”، وليس رأي فقهي متجاوَز، بالتالي فهو حكم شرعي مؤسّس على نصوص شرعية في القرآن والسنة، ولا اجتهاد مع النصّ ما لم يكن قابلاً لذلك وفق قواعد صارمة ودقيقة، وشرع الله كما هو معلوم صالح لكلّ زمان ومكان، وهذا لا يتعارض في تقديري مع مبدأ الاجتهاد في المواضع المسموح فيها بالاجتهاد، وقد سبق للمشرّع أن اجتهد في الوصية الواجبة.
وننتقل بعد ذلك إلى التوريث بالتعصيب في القانون المغربي، فقد جاء في الكتاب السادس من مدونة الأسرة ضمن القسم الثالث المعنون بطرائق الإرث المواد من 334 إلى 340، ثمّ القسم الخامس الإرث المعنون بطريق التعصيب المواد من 348 إلى 354، وعموماً فإنّ أحكام الإرث بصفة عامّة في التقنين المغربي لها مركز بالغ الأهمية شأن أي نظام قانوني، لتعلّم هذه الأحكام بالملكية الخاصّة، وأسباب كسبها وانتقالها، ومدى حقّ الفرد في التصرّف في أمواله تصرّفاً مضافاً إلى ما بعد موته، وقد اتّجه التشريع المغربي استناداً على الشريعة الإسلامية باعتبارها أهمّ مصادر التشريع، حيث تمّ تحديد بوضوح ودقّة من سيخلف الميت في ملكية التركة، والمقدار المستحقّ لكل وارث عند التعدّد، وذلك رعاية لمقاصد عديدة على رأسها حفظ مصالح أقرباء الميت من أفراد عائلته المرتبطين به كعلاقات والتزامات متبادلة.
باحث في علم الاجتماع الديني والسياسي*


