
السفير 24 – بقلم: حبيل رشيد
تتأكد اليوم مركزية الدليل في البنية العميقة للعدالة الجنائية، باعتباره الأداة التي تنتقل بها الدعوى من مستوى الادعاء إلى مستوى الإثبات، ومن دائرة الشك إلى مجال اليقين القضائي، حيث إن من الثابت أن كل مسار جنائي، منذ لحظة البحث التمهيدي إلى غاية صدور الحكم، يظل محكوماً بمنطق الإثبات وضوابطه القانونية، وبالتالي فإن أي تحول يطال طبيعة الدليل أو وسائله ينعكس مباشرة على بنية العدالة ومخرجاتها… ومن ثم، فإن التحول الرقمي الذي فرض نفسه على مختلف مناحي الحياة، لم يكن بمعزل عن المجال الجنائي، حيث أفرز ما يمكن تسميته بالدليل الرقمي، الذي أضحى يشكل أحد أهم مرتكزات الإثبات في الجرائم المعاصرة، خاصة تلك المرتبطة بالفضاء السيبراني…
ومن المؤكد أن هذا التحول لم يكن مجرد إضافة تقنية إلى منظومة قائمة، وإنما أفرز إشكالات قانونية دقيقة، ترتبط أساساً بطبيعة هذا الدليل وخصائصه، إذ إن الدليل الرقمي، بخلاف الدليل المادي التقليدي، يتسم باللامادية، وقابلية التغيير، وسرعة الزوال، وهو ما يطرح تحديات حقيقية على مستوى إثباته وتقييمه، كما أن اعتماده يقتضي توافر شروط تقنية وقانونية دقيقة تضمن سلامته ومصداقيته، وبالتالي فإن إدماجه ضمن منظومة الإثبات يفرض إعادة قراءة القواعد التقليدية في ضوء معايير الحكامة القانونية…
وعلاوة على ذلك، فإن المشرع المغربي، وعياً منه بهذه التحولات، بادر إلى إرساء إطار قانوني يؤطر التعامل مع الدليل الرقمي، حيث نص القانون رقم 53-05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية على منح الوثيقة الإلكترونية نفس الحجية التي تتمتع بها الوثيقة الورقية، شريطة استيفائها لشروط محددة تتعلق بإمكانية التعرف على مصدرها وضمان سلامتها من التغيير، وهو ما كرسه الفصل 1-417 من نفس القانون، الذي اعتبر أن الوسيلة الإلكترونية تقوم مقام الدعامة الورقية في الإثبات متى توفرت فيها عناصر الموثوقية، كما جاء القانون رقم 43-20 المتعلق بخدمات الثقة بشأن المعاملات الإلكترونية ليعزز هذا التوجه من خلال وضع آليات تقنية وقانونية لضبط التوقيع الإلكتروني وتأمين المعاملات الرقمية، الأمر الذي يعكس إرادة تشريعية واضحة في إرساء بنية قانونية متكاملة للدليل الرقمي…
ومن جهة أخرى، فإن انضمام المغرب إلى اتفاقية بودابست لسنة 2008 بشأن الجريمة المعلوماتية، شكل خطوة نوعية في اتجاه ملاءمة التشريع الوطني مع المعايير الدولية، خاصة فيما يتعلق بتبادل الأدلة الرقمية عبر الحدود، وضبط آليات التعاون الدولي في هذا المجال، وهو ما يكرس البعد العابر للحدود لهذا النوع من الأدلة، ويؤكد الحاجة إلى مقاربة مندمجة تتجاوز الإطار الوطني الضيق…
وبالتالي، فإن قبول الدليل الرقمي أمام القضاء الجنائي يظل رهيناً باحترام مجموعة من الشروط القانونية التي تندرج في إطار ضمانات المحاكمة العادلة، حيث يأتي في مقدمتها شرط المشروعية، الذي يجد أساسه في الفصل 23 من الدستور المغربي، الذي يقر بقرينة البراءة، وفي المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية التي تؤكد أن كل متهم يفترض فيه البراءة إلى أن تثبت إدانته وفق مسطرة عادلة، وهو ما يعني أن أي دليل تم الحصول عليه خارج الضوابط القانونية، يفقد قيمته الإثباتية، ويستوجب استبعاده من النقاش القضائي، وذلك انسجاماً مع القواعد العامة التي تقضي ببطلان الأدلة المستمدة من إجراءات غير مشروعة، بما في ذلك الدليل الرقمي المستخرج عبر وسائل تنتهك الحياة الخاصة أو تتجاوز الإذن القضائي…
كما أن شرط الموثوقية يكتسي أهمية بالغة في هذا السياق، حيث إن الدليل الرقمي، بحكم طبيعته التقنية، يظل عرضة للتعديل أو التلاعب، مما يفرض ضرورة التحقق من سلامته عبر وسائل تقنية دقيقة، وضمان استمرارية حيازته وفق سلسلة زمنية واضحة، وهو ما يستفاد من مقتضيات الفصل 1-417 من القانون رقم 53-05، الذي يشترط إمكانية تحديد هوية مصدر الدليل وضمان عدم تغييره، وبالتالي فإن الموثوقية لا تقتصر على وجود الدليل، وإنما تمتد إلى طريقة إنتاجه وحفظه وتقديمه أمام القضاء…
ومن ثم، فإن مبدأ الوجاهية، كما نصت عليه المادة 287 من قانون المسطرة الجنائية، يفرض عرض الدليل الرقمي للنقاش العلني بين أطراف الدعوى، حيث لا يمكن للمحكمة أن تبني قناعتها إلا على أدلة تم تداولها بشكل حضوري وتواجهي، وهو ما يقتضي تمكين الدفاع من مناقشة محتوى الدليل الرقمي وطرق استخراجه، والاستعانة بخبراء مختصين لتفسير جوانبه التقنية، مما يعزز شفافية المحاكمة ويضمن توازنها…
وفي هذا الإطار، تبرز كذلك المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية، التي تقر بحرية الإثبات في المادة الجنائية، حيث يمكن إثبات الجرائم بكافة وسائل الإثبات، وهو ما يفتح المجال أمام اعتماد الدليل الرقمي كوسيلة إثبات مشروعة، شريطة احترام الضوابط القانونية، كما أن مبدأ الاقتناع الصميم للقاضي يخول لهذا الأخير سلطة تقديرية واسعة في تقييم الأدلة المعروضة عليه، بما فيها الأدلة الرقمية، حيث يقوم بتحليلها وفق منطق سليم يستند إلى الوقائع والمعطيات التقنية، دون أن يكون مقيداً بوسيلة إثبات معينة…
غير أن هذه السلطة التقديرية تظل مؤطرة بقرينة البراءة، التي تفرض تفسير الشك لفائدة المتهم، وهو ما يعني أن أي خلل في الدليل الرقمي، سواء على مستوى المشروعية أو الموثوقية، يؤدي إلى استبعاده أو إضعاف قيمته الإثباتية، وبالتالي فإن القاضي مطالب بالتدقيق في كل عنصر من عناصر هذا الدليل قبل اعتماده كأساس للإدانة…
وعلى مستوى الحكامة القضائية، فإن تدبير الدليل الرقمي يقتضي اعتماد مقاربة مؤسساتية متكاملة، تقوم على التنسيق بين مختلف الفاعلين في منظومة العدالة، من شرطة قضائية ونيابة عامة وقضاء الحكم وخبراء تقنيين، حيث إن فعالية هذا الدليل لا تتوقف على النصوص القانونية فحسب، وإنما ترتبط أيضاً بمدى توفر البنية التحتية التقنية والكفاءات البشرية المؤهلة للتعامل معه، وهو ما يطرح تحديات حقيقية في الواقع العملي…
إذ إن الطبيعة غير المادية للدليل الرقمي تجعله عرضة للضياع أو التلاشي، خاصة في حالة سوء التعامل معه خلال مراحل البحث والتحري، كما أن استخراجه يتطلب وسائل تقنية متقدمة وتكاليف مالية مرتفعة، إضافة إلى الحاجة إلى تكوين متخصص في مجال الأدلة الرقمية، وهو ما يفرض على المؤسسات المعنية الاستثمار في هذا المجال لضمان نجاعة العدالة الجنائية…
كما أن ظاهرة “الرقم الأسود” في الجرائم المعلوماتية، والتي تعني عدم التبليغ عن عدد كبير من هذه الجرائم، تشكل عائقاً إضافياً أمام تفعيل الدليل الرقمي، حيث تظل العديد من الأدلة غير مستغلة بسبب تحفظ الضحايا، خاصة المؤسسات المالية، على الكشف عن هذه الجرائم، مما يؤثر على فعالية السياسة الجنائية في هذا المجال…
وبالتالي، فإن تحقيق حكامة فعالة للدليل الرقمي يقتضي تجاوز هذه الإكراهات عبر تطوير الإطار القانوني والمؤسساتي، وتعزيز التكوين التقني للقضاة وأعوان إنفاذ القانون، وتحديث آليات البحث والتحري بما يتلاءم مع خصوصيات البيئة الرقمية، مع الحرص على احترام الحقوق والحريات الأساسية، خاصة الحق في الخصوصية وحماية المعطيات الشخصية…
ومن ثم، فإن العدالة الجنائية في المغرب تجد نفسها اليوم أمام رهان حقيقي يتمثل في التوفيق بين متطلبات الفعالية والنجاعة من جهة، وضمانات المحاكمة العادلة من جهة أخرى، حيث إن الدليل الرقمي، رغم ما يوفره من إمكانيات هائلة في كشف الحقيقة، يظل أداة حساسة تتطلب تدبيراً محكماً وفق قواعد الحكامة القانونية، بما يضمن تحقيق العدالة في بعدها الشامل، ويعزز ثقة المتقاضين في المؤسسة القضائية…



