كلمة السفير

المولوعون بالكذب

السفير 24 | حسن راقي _ مدير النشر

جميعنا معرض للوقوع في الخطأ، ولكن فرق شاسع بين أن يخطئ أحد عن غير قصد، فيعود عن خطئه متى صوب له، وعندئذ نقول: خطأ غير مقصود، أو عثرة حصان سرعان ما ينهض منها.

أظن أن الفرق شاسع بين الشخصين لدرجة تصعب فيها المقارنة، فرق بين من يقع في الخطأ وهو حسن النية وبين آخر يخلق الخطأ ليلبس الحق بالباطل، أو يلبس الباطل رداء الحق، لأن العقل يقضي عند الحكم على أخطاء الأشخاص، العودة إلى ملف أخطائهم واستبيان الملابسات المحيطة بها، كخطوة أساسية في المقارنة بين فداحة كلا الخطأين.

المقارنة العادلة تقول إن الأول إنسان غلبت عليه طبيعته الإنسانية فأخطأ تقدير الأمور، أو سبقه لسانه بمراد غير الذي قصده أو إختلطت عليه الأمور، أو غير ذلك من الأحوال التي يمكن بالنسبة لنا نقول أنها أحوال معذورة، شريطة أن يتتبع حالة الخطأ، إما حالة ندم أو حالة عودة أو حالة اعتذار، أو غير ذلك مما يمكن أن يجعلنا نصف هذه الأخطاء على كونها أخطاء معذورة.

أما الثاني، فقد أخد به هواه إلى تعمد الخطأ عن جهل أو تجاهل أو غباء أو استغباء، لأن العقل لا يعرف توصيفا للمعلومة التي يصر عليها صاحبها رغم علمه بكونها مخالفة للواقع، إلا أن تكون جهلا جليا استحكم من صاحبه فقاده إلى هلاكه أو إهلاك الآخرين به، وهذا الجاهل الجهول يختلف عن الأول الذي التمسنا له العذر، إن الأول أخطأ لأنه بنى نتائجه على مقدمات خاطئة فأوقعته في الخطأ، أما هذا الجهول، فقد جزم بغير الحاصل وروج له.

خطورة هذا النموذج تكمن في كون صاحبه قد تيقن من الحقيقة، لكنه عمد إلى مخالفتها وادعاء غيرها رغبة في خلط الحقائق وقلب الموازين، بما يحقق له ما يعتقد أنه منفعة عاجلة.

لعل التوصيف الأقرب لهذا النموذج قول الله تعالى “أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون”.

وأنا أتعجب كيف يصل الهوى بشخص إلى درجة تجعله يكذب ويصدق نفسه، ثم يتمادى في الكذب حتى لا يصدق إلا نفسه، إلى أن يصبح من أصحاب الأهواء الذين يبرر لهم هواهم فعل الحماقات وارتكاب الموبقات واختلاق الأزمات.

يبرر لهم هواهم كل خطيئة ما داموا معتقدين أنها تحقق لهم مصالح، رغم تيقنهم أن الحق على عكس ما يدعون، لكن ماذا تقول لأشخاص أضلهم الله على علم، وماذا تقول لأشخاص ارتضوا لأنفسهم السير خلف أهل الضلال؟

لمجرد أن ضلالهم وافق هواهم؟، ثم ماذا تقول لأشخاص وصل بهم الضلال لدرجة أنهم ينكرون على أصحاب المبادئ التزامهم بها؟

وماذا تقول لمن يحقرون الحق ويزينون الباطل؟

بل والأغرب أن ترى بعضهم يصور المبادئ الواضحة الجلية على كونها هي الضلال بعينه، وللأسف يتبعهم بعض المخدوعين في أشخاصهم أو معسول كلامهم، من باب، وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم، خاصة أنهم يعزفون على بعض الأوتار التي قد تلقى صدى عند بعض الذين لا يشغلون أنفسهم بالبحث عن الحقائق استسهالا للتقليد الأعمى ووثوقا فيمن لا ينبغي أن يكونوا أهلا للثقة.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى