في الواجهةكتاب السفير

طلقات المسدّس في نقد “الكتاب المقدّس”

isjc

* د. يسين العمري – باحث في الدين والسياسة

اقتضت الأمانة العلمية أن أشير بادئ ذي بدء إلى أنّ معظم المعلومات التاريخية والدّينية في هذا المقال، مستقاة من إحدى المحاضرات التي حضرتها لفضيلة الدكتور يوسف الكلّام، أستاذ مقارنة الأديان بجامعة القرويين. وبعد هذه الإشارة المهمة، أنطلق إلى عرض أبرز ملامح نقد النصي للكتاب “المقدّس” في الفكر الغربي.

انطلق نقد تصرّفات رجال الدين من القساوسة والرهبان وعلى رأسهم البابا منذ بدايات القرن الرابع عشر الذي عرف بعصر النهضة، لكن تحديد حركة نقد الكتاب المقدّس بدأت من القرن السابع عشر، وهناك أمثلة لبعض رجال الكنيسة الذين نادوا بفكرة إصلاح الكنيسة انطلاقاً من نقد النصوص، من قبيل إيراسموس ولوتر وكالفن، كما أنّ بعض تصرّفات القائمين على الشأن الكنسي أعطت مبررات وذرائع للمنتقدين، من قبيل الأخلاق السيئة التي عرف بها البابا اسكندر السادس، الذي سقطت في عهده غرناطة في يد النصارى، مثل إنجابه لأطفال غير شرعيين.

إذن هذا التحدي للسلطة البابوية، ومسايرتها للفساد (صكوك الغفران مثلاً)، وسكوتها عن الفاسدين، أدّى لنشوء الحركة البروتيستانتية (معناها الحركة الاحتجاجية نسبة لفعل to protest بالإنجليزية، والذي يعني احتجّ).

ومن بين أسباب ظهور حركة نقد الكتاب المقدّس:

ظهور البروتستانتية: التي نزعت القداسة عن الكنيسة والبابا، رفضت الوساطة بين الإنسان وخالقه، ورفضت الاعتماد على النص اللاتيني “vulgaro” كنصّ وحيد، والمناداة بضرورة ترجمة الكتاب المقدّس للغات العامية، وهو ما تمّ بالفعل للغات (الفرنسية والألمانية والإنجليزية)، وبالتالي الاستغناء عن رجال الكنيسة، فمن حقّ الناس الاطلاع على كتابهم دون وساطة.

رفض بعض النصوص غير الموجودة في النّص العبري واعتبارها “أبوكريفا”، وهي سبعة أسفار يقدّسها الكاثوليك.

الكشوفات الجغرافية والاطّلاع على الحضارات الأخرى بالشرق الأقصى والشرق الأدنى (بابل- مصر- أشور والصين والهند…)، وإذن فإنّ الحقائق العلمية الجديدة زادت من التشكّك في بعض ما جاء في الكتاب المقدّس مثل خلق الإنسان والطوفان، ومن أمثلة ذلك قصة طوفان نوح وتشابهها مع قصة غلغامش في التراثين البابلي والسومري، وقوانين حمورابي الذي سبق الشريعة الموسوية.

التأثّر بالفكر والحضارة الإسلاميتين، لاسيما في الأندلس إثر سقوط غرناطة سنة 1492م، وما خلفوه من العلوم الطبيعية والفلك، فمثلا كتاب “الملل والنحل” لابن حزم سبقت ما جاء في كتب كوبرلي وبرونو، حيث تضمّن على فصل بعنوان “بيان في كروية الأرض”، كذلك فإنّ القرآن هو أوّل كتاب اتّهم الرهبان والقساوسة والكتبة بالتحريف وعدم صحّة بعض ما أضافوه إلى التوراة والإنجيل، ونسبوه إلى الله عزّ وجلّ، ومن أمثلة النقد النصي القرأني للكتاب المقدّس: “أفلا يتدبّرون  القرآن، ولو كان  من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً”، فالكتاب الذي لا يناقض نفسه ولا يتعارض مع الطبيعة منزّل، وإلا في حالة العكس فهو محرّف. وعليه، يمكن القول أنّ الفكر الإسلامي كان وراء نشوء الحركة البروتستانتية، ففي الإسلام لا وساطة بين الله وعباده، والمسلمون يقرأون كتابهم دون الحاجة لوسيط، وقيمة العمل والإيمان والمال كلّها قيم إسلامية (وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا- سورة القصص الآية 77).

أما المقصود بحركة نقد الكتاب المقدّس، فهي الحركة العلمية التي عملت على تمحيص الكتاب المقدّس من حيث حجيته وتدوينه وجمعه ومخطوطاته، وأخلاقه وقيمه، ومدى توافقه مع العلم والاكتشافات العلمية، وهي عبارة عن مجموعة الدراسات العلمية المعتمدة على أسس ومناهج غير تلك التي يعتمدها رجال الكنيسة، والتي هي مقرّرة النتائج سلفاً، وقد تزعّمها نقّاد خارجون على الكنيسة والمؤسّسات الكنسية من علمانيين وبروتستانت، وقد طال النقد النصي للكتاب المقدّس مجالات متعدّدة بدءاً من مدى إلهيته إلى غاية توافقه مع التطوّر الإنساني.

من أهمّ المناهج التي اعتمدتها تلك الحركة، نجد المنهجين التاريخي والمقارن، ومن أمثلة ذلك البحث في نصوص قديمة مثل مخطوطات وادي قمران بالأردن، ومخطوطات نجع حمادي بمصر.

وأمّا المقصود بالنقد، فهو لا يهدف للتنقيص من قيمة الشيء وإبطاله، بقدر ما يهدف إلى تمييز صحيحه عن فاسده، وبالتالي كان الهدف تنقيح نصّ الكتاب وإزالة ما لحق به من إضافات بشرية)، وكمثال على ذلك نجد القسّ ريشارد سيمون (القرن 17 ميلادي)، مؤلّف أربعة كتب حول نقد الكتاب المقدّس:

التاريخ النقدي لنقد العهد القديم.

التاريخ النقدي لنقد ترجمات العهد القديم.

التاريخ النقدي لنقد العهد الجديد.

التاريخ النقدي لنقد ترجمات العهد الجديد.

ويشير سيمون في هذه الكتب إلى أنّ أوليجيل (القرن الثالث ميلادي) وسان جيروم (القرن الرابع ميلادي) اعترفا بوجود الأخطاء في الترجمة اليونانية السبعينية، وكان هدف نقدهما إعادة النّصّ الصحيح اعتماداً على نقد النصّ. ولا يمكن تتبّع حركة نقد الكتاب المقدّس التي بدأت مع مطلع القرن السابع عشر ميلادي ولا تزال مستمرّة إلى اليوم في سويسرا وفي المدرسة الفرنسية بأورشليم، التي تصدر لحدّ اليوم أعمالاً في النقد النصي للكتاب.

وبخصوص المناهج التي اعتمدتها حركة نقد الكتاب المقدّس في الفكر الغربي، فقد تمّ الاعتماد على مناهج كثيرة، منها بالأساس النقد التاريخي (القسّ سيمون histoire critique)، المنهج اللغوي الفيلولوجي (اللسانيات)، تمحيص جغرافيا الأماكن المقدّسة، وسنأخذ كمثال المنهج التاريخي، فما هو الهدف منه؟

إنّ الهدف من استعمال المنهج التاريخي لم يكن يهدف إلى التنقيص من سلطة الكتاب “المقدّس”، بل عمل على تنقيته من الشوائب التي لحقت به، من إضافات وأفهام بشرية، لم تكن منه، لكنها أُقحمت فيه، حتى اعتُبرت منه فيما بعد.

وعلى سبيل المقارنة، فعند المسلمين، فإنّ نقد الأحاديث النبوية الشريفة، لم يكن إنكاراً للحديث الشريف، بل كان الهدف فرز ما وضعه الكذبة والوضّاعون، والتمييز في ما نُسِبَ إلى النبي عليه الصلاة والسلام بين صحيح وحسن وضعيف، ومتواتر وخبر آحاد… إلى آخره، وبالتالي فإنّ النّقد النصي في هذا المقام هدفه نبيل، حيث لم يهدف إلى إنكار الحديث، ولكن إلى إخراج ما أُدخل فيه، ومن الأمثلة على الوضع، ما يروى من قصّة الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الكوفة، حيث وجدا من يحدّث عنهما بكلام لم يقولانه، ممّا عارض الواقع والمنطق، فكان يلزم التدخّل حتى لا يفسد فكرهما عند النّاس.

إذن فنقد “الكتاب المقدّس” جاء بالأساس ارتباطاً بوجود الوضع، ولأنّ طبيعة النّصّ ومضمونه، يدعوان لنقده تاريخياً، لأنّ الكتاب المقدّس بعهده القديم خصوصاً، كتاب تاريخي بامتياز منذ الخليقة إلى فترة المسيح، ويتحدّث مطوّلاً عن أخبار شعب إسرائيل، ثمّ أكمله الكتاب المقدّس في عهد الجديد بمجيء المسيح، وكان رجال الدين يعتبرونه النّص الوحيد لتاريخ البشرية.

لكن هذا الأمر بدأ يتغيّر بالاطّلاع على حضارات الشرق الأقصى والأدنى، والحضارة الإسلامية، وكلّها حضارات تؤرّح للبشرية، وقد اكتشف النصارى واليهود بأنّ الهند والصين لهما تاريخ أقدم من تاريخ التوراة، وهذا ما يعرف بنظرية “ما قبل آدم” “pré-adamite”. وبالتالي فإنّ هذه الأمور دفعت بعض النقاد البروتستانتيين لنقد نص الكتاب المقدّس سعياً منهم إلى الإصلاح الديني، بالنظر لتشككّهم في نسبة بعض ما ورد فيه إلى من يُنسَب إليه.

ويمكن إضافة عامل آخر إلى العوامل المشجعّة على نقد الكتاب المقدّس، ويتعلّق الأمر بتطوّر الطّباعة، حيث بات الكتاب مطبوعاً ومترجماً، وعرف تسرّب كلمات الشُّرَّاح إليه، واعتبارها من النّصّ الأصلي.

وإجمالاً، يمكن القول بأنّ استخدام المنهج التاريخي في حركة النقد النصي بالفكر الغربي، كان هدفه الاهتمام بالنصوص والوثائق، لأنّ الكتاب المقدّس كباقي النصوص الأدبية، وهو كما سبقت الإشارة هو كتاب تاريخي بامتياز، وبالتالي كان لا بدّ من جمع النصوص والوثائق وتمحيصها، وكانت البداية من طرح السؤال التالي: هل الله هو من كتب التوراة أم موسى؟ وهذا يسمّى نقد المصدر، بمعنى طرح التساؤل عن مصدر النصّ: من كتبه ومن نقله؟ ثمّ انضاف له نقد التصحيح من الأخطاء (النقد الفيلولوجي).

ومن الأخطاء التي يمكن الوقوف عليها مثلاً: عبارة حُرّر بتاريخ 320 قبل الميلاد، وينسى كاتب هذه العبارة أنّ لو عاش بذلك العصر فعلاً ما كان له أن يعرف ذلك التاريخ، ما دام اعتمد ميلاد المسيح موحدة قياس للتاريخ، وهذا من باب تمحيص تاريخ الوثائق والإشارات، التي تحيل على صاحب النصّ، وقد يستعمل هذا الأخير لقبه، الذي يكون متشابهاً مع كثير من الألقاب المتداولة في نفس الحقبة أو المكان، وبالتالي يصعب الاستدلال على الصاحب الحقيقي للنصّ.

كذلك، هناك نوع آخر من أنواع نقد الكتاب المقدّس في الفكر الغربي، وهو نقد التفسير، والمقصود به تفسير وفهم النّصّ، بعيداً عن التفسيرات المقرّرة سلفاً، ويقوم على إعطاء المعنى الحرفي للنصّ، ومعرفة لغته، وتاريخ تطوّره، ومعانيه الاصطلاحية، والمناطق التي وُجِدَ فيها. ونجد أيضاً في الإسلام ما يشابه هذا الأمر من الناحية اللغوية، مثلاً في مقولة” “إنّا أنطيناك” أو “نطية محمد”، ومصير مالك بن نويرة زعيم قبائل بني يربوع من تميم ومعه بعض أسرى حروب الرّدّة، عندما أمر خالد بن الوليد بعض الجنود بتدفئة الأسرى، بالنظر لكونها ليلة باردة، غير أنّ أولئك الجنود كانوا من قبائل عربية يُطلح لديها على لفظ القتل بالتدفئة، وبالتالي فهموا أمر خالد “أدفئوا الأسرى” على أنّه “اقتلوا الأسرى”، فقتلوهم.

وننتقل لنوع آخر من أنواع النقد، وهو نقد الدّقة والأمانة، ويهدف إلى معرفة هل كان النّصّ ثابت الصحة ودقيقاً؟ وهل من نقل النصّ كان أميناً في نقله؟ هل سمع ورأى مباشرة أو بلغه الأمر بعد زمن؟ هل هذا الزمن قريب أو بعيد؟ هل كان أميناً في نقله؟ بمعنى هل نقل الحدث وكتبه في الوقت نفسه وبتفاصيله؟ أم أخفى بعضها؟ هل كتبها فيما بعد؟ وهو ما يوازيه في الإسلام القول: هل الراوي ضابط ودقيق؟ وعندما توجد مجموعة من الأحاديث المتشابهة يمكن الجمع بينها، ويمكن الترجيح، وهذا من باب نقد الأمانة في المنهج التاريخي، حيث يكون الهدف معرفة هل الراوي معروف بالأمانة والصّدق؟ هل يسعى لتلميع نفسه؟ ألم يكن مكرهاً لتغيير ما يروي لسبب ما سواء سياسي أو اجتماعي أو غيره؟ هل هو عدل ضابط؟ هل روى عن عدل ضابط؟

وختاماً، كانت هذه بعض ملامح نقد الكتاب المقدّس في الفكر الغربي، من خلال التطرق لبعض مدارسها ورموزها ومناهجها العلمية، وأهمّ أفكارها، إضافة إلى المقارنة في بعض السياقات بالفكر الإسلامي أو غيره لدى باقي الحضارات.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى