في الواجهةكتاب السفير

من “علال الفاسي” إلى “عبد الرحمن اليوسفي” انتصار زعيمين بطعم الهزيمة

le patrice

* ذ. طارق شهير

شهد المغرب صراعا سياسيا مباشرة بعد الاستقلال بين المؤسسة الملكية وأحزاب الحركة الوطنية التي كانت تسعى إلى ترسيخ ملكية دستورية يسود فيها الملك ولا يحكم، من خلال صياغة دستور وطني تشرف عليه جمعية تأسيسية منتخبة؛ وهي الفكرة التي رفضها الملك محمد الخامس جملة وتفصيلا إذ قام بالمقابل –وتنفيذا لوعده عبر نهج الديمقراطية التشاركية- بتأسيس المجلس الوطني الاستشاري في غشت 1956 برئاسة المهدي بن بركة يضم 76 عضوا، لكن هذه المبادرة باءت بالفشل واندثر المجلس أمام قوة المعارضة.

في نونبر 1960 سيعلن المغفور له محمد الخامس من جديد عن تأسيس المجلس الدستوري الذي ستوكل له مهمة صياغة الدستور؛ حيث لقي بدوره معارضة شديدة زادت حدتها مع تولي الزعيم “علال الفاسي” رئاسته خاصة من قبل أعضاء حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، الذين ظلوا متمسكين بمطلبهم المتمثل في خلق جمعية تأسيسية منتخبة لوضع الدستور.

“لا ملكية دستورية بعد محمد الخامس” مقولة طالما رددها أنصار اليسار لإيمانهم القوي بمرونة شخصيته وانفتاحه المتواصل على جميع الأقطاب، وهو ما أكدها إجراء “الملك الحسن الثاني” الذي سيضع القانون الأساسي للمملكة بعد تقلده العرش 1961، كان بمثابة الأرضية لإعداد مشروع دستور من خلال إنشاء مجلس دستوري يضم ثلة من الفقهاء الأجانب ليناقش المشروع من طرف بعض أعضاء الحكومة :علال الفاسي، أحمد رضا كديرة، عبد الهادي بوطالب، المحجوبي أحرضان.. قبل أن يعرض على استفتاء شعبي للتصويت عليه؛ استفتاء عارضه بشدة كل من الحزب الشيوعي والاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي رفض المشاركة في التصويت فيما تجند حزب الاستقلال خاصة زعيمه “علال الفاسي” الذي سيدافع عنه بكل ثقله مراعيا في ذلك حساسية الظرفية التي تمر بها البلاد، مما أسفر عن إخراج أول دستور إلى الوجود بتاريخ 7 دجنبر 1962، إلا أن الزعيم المحنك والمفكر الإصلاحي ما سيلبث أن يعلن عن تقديم استقالته من الحكومة 1963 والانضمام إلى صفوف المعارضة رفقة أصدقاء الأمس بعد ما اكتشف هيمنة الحكم المطلق على المشهد السياسي في شخص “أحمد رضا كديرة” :وزير الداخلية، ومدير الديوان الملكي، ومستشار الملك، ومؤسس جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية. ليتبخر بذلك الحلم الديمقراطي الذي كان يسعى إليه صاحب “النقد الذاتي”.

بعد أزيد من ثلاثة عقود من ترسيخ حكم القبضة الحديدية في تدبير الشأن العام، سيستقبل الملك الحسن الثاني 4 فبراير 1998 – بعد مفاوضات من الأخذ والرد- الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي؛ الرجل الذي عرف بشخصيته القوية وجسارته الباسلة في الدفاع عن مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان قبل وبعد فترة الاستقلال “عبد الرحمن اليوسفي” ليعينه وزيرا أولا في إطار ما عرف بتجربة التناوب التوافقي. قبِل الزعيم الثوري -الذي شهد له وزير الداخلية السابق “إدريس البصري” من إقامته بفرنسا بقوله: “إنه آخر زعماء اليسار بعد الأستاذين عبد الرحيم بوعبيد وعلي يعته” – بالدخول إلى اللعبة السياسية على غرار غريمه “علال الفاسي”؛ لعبة جرت عليه وابلا من الانتقادات والعداوة والبغضاء من طرف العديد من الرفاق الذين حذروا من مزالقها في غياب قواعد تضمن ممارستها، إلا أن ثقة الزعيم بقدراته وانفتاح المؤسسة الملكية لتحفيزه، جعلاه يدير ظهره إلى المحذرين والمعارضين ويقتحم غمار التجربة ساعيا من خلالها إلى انتقال هادئ من حكم الملك الحسن الثاني الذي استشعر خطورة مرضه إلى حكم الملك الشاب محمد السادس من جهة، وإلى الانتقال من تناوب توافقي قائم على التحكم إلى تناوب ديمقراطي قائم على الشفافية.

تولى الملك محمد السادس العرش 1999، واستبشر الزعيم ورفاقه خيرا خاصة بعد إقالة وزير الداخلية الأسبق “إدريس البصري” وعودة “أبراهام السرفاتي” ورفع الحصار عن مرشد جماعة العدل والإحسان “عبد السلام ياسين” وأخذ المغاربة يتنفسون الصعداء.

بعد ثلاث سنوات سيحتل الاتحاد الاشتراكي المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية 27 شتنبر 2002، ليتحفظ “القائد اليساري” هذه المرة على المنهجية الديمقراطية التي تقتضي حسب تعبيره تعيين الوزير الأول من الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد، خلافا لما حدث؛ حيث عين الملك “إدريس جطو” على رأس الوزارة الأولى الذي لم يكن لديه أي انتماء حزبي. في هذا السياق يقدم الرفيق استقالته بلباقة السياسيين الكبار قبل أن يتم تكريمه من طرف شخص الملك الذي وشحه بوسام تثمينا على مجهوداته ،ليشد الرحال إلى الديار البلجيكية وهناك يلقي خطابه الشهير في25 فبراير 2003 الذي أقر فيه بأن تجربة التناوب لم تفض إلى ما كان ينتظره من توجه ديمقراطي يهدف بناء دولة حديثة، معتبرا في الوقت نفسه أنه قدم المصلحة الوطنية على المصلحة السياسية أثناء إقدامه على مخاطرة التناوب.

“تقديم الرؤية الوطنية على الرؤية السياسية” هي العبارة نفسها التي كان يرددها غريمه الاستقلالي”علال الفاسي” في كل مناسبة ، بعد شعوره بالإخفاق في تكريس البعد الديمقراطي إزاء وقوفه إلى جانب المؤسسة الملكية في بلورة الدستور.

تمكن كل من مهندس دستور 62 “علال الفاسي” والفاعل الأساس في تجربة التناوب التوافقي “عبد الرحمن اليوسفي” من تحقيق ظفر ونصر انطلاقا من الحفاوة الإعلامية والمجد التاريخي والإثراء السياسي التي حظيا بها حتى بعد وفاتهما، لكنه نصر بطعم الفشل إن لم يكن الهزيمة عينها، فرغم أن كلا منهما يجيد السباحة في بحر السياسة الماكر، غير أن أمواج المؤسسة الملكية كانت عاتية على الزعيمين، مما حال دون بلوغ الشط الديمقراطي.

وأمام تعدد الرؤى حول مفهوم الوطنية، تظل عبارة “تقديم المصلحة الوطنية على السياسية” بمثابة عزاء ومواساة تنم عن مشاعر الحسرة والأسى وربما الندم جراء الإقدام على قرارات حاسمة من لدن زعيم حكيم.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى