في الواجهة

نفي العثماني يكذب رواية الريسوني ويضعه أمام مسؤولية الإثبات

نفي العثماني يكذب رواية الريسوني ويضعه أمام مسؤولية الإثبات

السفير 24

لم يعد النقاش متعلقا بمجرد روايتين تتجاوران في المجال العام. سليمان الريسوني قدم رواية محددة ونسب فيها وقائع وأقوالا إلى أطراف بأسمائها، ثم خرج سعد الدين العثماني، وهو الطرف الذي يفترض أنه تلقى الاتصال موضوع الرواية، ليكذب ما نسب إليه بشكل صريح ويصفه بأنه عار من الصحة.

هذا المعطى يضع رواية الريسوني في وضع مهني مختلف. إنها، إلى حدود المعطيات المتاحة علنا، رواية مكذبة من أحد أطرافها الأصليين، ولم يقدم للرأي العام حتى الآن ما يثبتها بصورة مستقلة. وهذا توصيف للمعطيات المتاحة وليس حكما قضائيا على صاحب الرواية أو تقريرا نهائيا بشأن حقيقة الواقعة.

لكن التحفظ القانوني لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتفريغ النقاش من مضمونه. عندما تنشر ادعاء خطيرا وتنسب كلاما محددا إلى أشخاص محددين، ثم يخرج الطرف الذي جعلته شاهدا على الواقعة ليقول إن ما نسب إليه غير صحيح، فإنك تصبح أمام مسؤولية واضحة: إما أن تقدم ما يثبت روايتك، وإما أن تقبل بأن توصف، في حدود المعطيات المنشورة، بأنها رواية مكذبة وغير مثبتة.

لا يكفي هنا الاحتماء بعبارة “نقل إلي”. المصدر يمكن حمايته، لكن المعلومة لا تعفى من الإثبات. وحماية المصادر ليست رخصة لنشر أي ادعاء ثم مطالبة الآخرين بتصديقه على أساس الثقة في صاحبه.

المشكلة تصبح أكثر خطورة إذا استمر تقديم الرواية بعد تكذيبها باعتبارها حقيقة ثابتة. فهنا لا نكون فقط أمام خلاف في الروايات، بل أمام سؤال يتعلق بمسؤولية الاستمرار في نشر معلومة يعلم ناشرها أن أحد أطرافها الأساسيين ينفيها، من دون أن يقدم للجمهور ما يحسم هذا التعارض.

ليس المقصود القول إن نفي العثماني وحده أثبت كذب الواقعة بصورة نهائية. فهذا استنتاج لا تسمح به المعطيات المتاحة وحدها. لكن المؤكد أن النفي أسقط صفة الحقيقة غير المنازع فيها عن رواية الريسوني، وحولها إلى ادعاء مكذب يحتاج إلى الإثبات.

وهنا يصبح السؤال بسيطا وقاسيا في الوقت نفسه: إذا كان العثماني، الذي يفترض أنه تلقى الاتصال وسمع الكلام، يقول إن ذلك لم يحدث على النحو المنسوب إليه، فعلى أي أساس يطلب من الجمهور أن يصدق الرواية المقابلة؟

في الصحافة لا يكفي القسم، ولا الثقة في الراوي، ولا قوة العبارة. الدليل هو الذي يفصل بين سبق صحافي قابل للدفاع عنه وبين ادعاء لا يستطيع صاحبه إسناده.

ولهذا، فإن الكرة اليوم ليست في ملعب من أصدر النفي فقط، بل أساسا في ملعب صاحب الرواية. فإذا كان سليمان الريسوني يتوفر على ما يثبت ما قاله، فإن تقديم عناصر قابلة للتحقق سيغير طبيعة النقاش. أما إذا غاب الدليل، فستظل روايته أمام الرأي العام رواية مكذبة من طرف أساسي فيها وغير مثبتة بما هو متاح علنا.

ذلك هو جوهر المسألة، بعيدا عن التضامنات والمواقع السياسية: لا نصف شخصا بالكذب لمجرد أن خصمه نفاه، لكننا أيضا لا نجامل رواية كذبها من نسبت إليه ولم يقدم صاحبها ما يثبتها.

فالصحافة التي تطالب الآخرين بالحقيقة مطالبة أولا بأن تكون قادرة على الدفاع عن حقيقة ما تنشره.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى