
السفير 24 – عبد الفتاح العقيلي
في بلد ظلّ الزواج فيه ركن العمران وعماد النسب ومدرسة التربية، تطالعنا اليوم مؤشّرات تربك اليقين. فبحسب البحث الوطنيّ حول الأسرة الذي أنجزته المندوبيّة السامية للتخطيط سنة 2025، صرّح أكثر من نصف العزّاب المستجوَبين — 51,7% منهم — بأنّهم لا يرغبون في الزواج، بينما هبط مؤشّر الخصوبة إلى 1,98 طفل لكلّ امرأة، دون عتبة تعويض الأجيال. غير أنّ السؤال الجوهريّ ليس: لماذا يحجم المغاربة عن الزواج؟ بل هو أعمق: أيّ معنى للزواج تصدّع في الضمائر حتى غدا الإحجام عنه ممكنا، بل مشتهى عند بعضهم؟ إنّها في حقيقتها ليست أزمة إقبال وإدبار، وإنّما أزمة معيار ومرجع.
أوّلا: من الزواج عقدا وميثاقا… إلى التعاقد الفرديّ
يخطئ من يظنّ العقد في الزواج وافدا أو حديثا؛ فالزواج في الشريعة عقد صحيح له أركانه وشروطه، لكنّه عقد من طراز خاصّ: عقد في أحكامه وآثاره، وميثاق في غايته وروحه. سمّاه القرآن ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾، وجعله آية من آياته:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
فالميثاق هنا لا يلغي العقد، بل يشدّه إلى أفق أرحب: سكن ومودّة ورحمة، ومسؤوليّة وأمانة وصحبة. وكان هذا المركّب حاضرا في كثير من تمثّلات الزواج في المجتمع المغربيّ الموروث، حيث كان الزواج، في كثير من البيئات، رابطةً بين عائلتين لا مجرّد اقترانٍ بين فردين، تحيطه طقوس الحنّاء والصداق والفاتحة.
على أنّ الإنصاف يقتضي ألّا نرسم للماضي صورة ورديّة؛ فقد حمل ذلك النظام في طيّاته سلطة أبويّة قاسية أحيانا، وتهميشا لإرادة الفرد — لا سيّما المرأة — في اختيار شريكه. ولم يكن انتقال المجتمع نحو منطق العقد استلابا محضا، بل كان في جانب منه استجابة مشروعة لمظالم واقعيّة ولنداء الكرامة والاختيار الحرّ. فليس كلّ قديم أصيلا، وليس كلّ موروث سنّة؛ بل إنّ كثيرا ممّا نبكي عليه باسم «الأصالة» — من مغالاة في المهور وإسراف في الأعراس ومفاخرة — إنّما هو عادة لا دين، ممّا خالف يسر الشرع.
لكنّ التحوّل انزلق، مع القرن العشرين وما بعده، من تصحيح الخلل إلى اختزال آخر مقابل: فمع التعليم والتمدّن وخروج المرأة إلى الفضاء العامّ، تأخّر سنّ الزواج، وتراجع الزواج بين الأقارب، وانكمشت الأسرة الممتدّة لصالح الأسرة النواة. وهكذا لم ينتقل الوعي من الميثاق إلى العقد فحسب، بل من «العقد الميثاق» إلى «التعاقد» المجرّد. فالتعاقد هنا ليس مجرّد عقد قانونيّ، بل عقليّة تجعل استمرار العلاقة مرهونا بحساب متّصل للكلفة والمنفعة والحقوق المكتسبة، بعد أن نُزعت عنها روح الميثاق.
ثانيا: صراع المرجعيّات — أصيلة، وحداثيّة فردانيّة، وملفّقة
يتنازع الوعي المغربيّ اليوم في فهم الزواج ثلاث مرجعيّات:
مرجعيّة أصيلة، تنطلق من التصوّر الشرعيّ للزواج بوصفه عقدا وميثاقا معا: سكنا ومودّة ورحمة، وتكاملا في الأدوار لا تطابقا، وأمانة متبادلة. وهي حيّة في وجدان شريحة واسعة من المغاربة.
ومرجعيّة حداثيّة فردانيّة — وأتحرّى هذا الوصف بدل «الغربيّة»، فالحداثة ليست كتلة واحدة ولا نموذجا زوجيّا مفردا، وإنّما هو تيّار فردانيّ بعينه ذو حضور قويّ في الخطاب المعاصر — ينقل مركز الثقل من الجماعة إلى الفرد، ومن مركزيّة الواجبات الجماعيّة إلى مركزيّة الحقوق الفرديّة، ومن السكينة إلى التحقّق الذاتيّ. وقد رصدت فاطمة المرنيسي في «ما وراء الحجاب: الجنس كهندسة اجتماعية» تحوّل دينامية العلاقة بين الرجل والمرأة في المغرب بعد الاستقلال، وكيف بدأ الحبّ والاختيار الفرديّ يزاحمان النموذج التقليديّ. وهذه المرجعيّة — على ما فيها ممّا يخالفنا — ليست كلّها شرّا؛ ففي مطالبها بالإنصاف والكرامة ما يلتقي مع مقاصد الشرع، ومن الإجحاف مقابلتها بالتشنيع الجمليّ.
ومرجعيّة ثالثة ملفّقة — وهنا مكمن الداء. إنّها ليست تركيبا ناضجا يجمع أحسن المرجعيّتين، بل ازدواجيّة غير محلولة. والمشكلة ليست في أن يتبنّى طرف حقّا حديثا أو يتمسّك بقيمة موروثة، بل في أن ينتقي من كلّ منظومة ما يُحمّل به الآخرَ من واجبات، وما يمنح به نفسَه من امتيازات؛ فتصير المرجعيّات مؤونة تُنتقى لا مبادئ تُلتزم.
وأسوق لذلك تمثيلات تفسيريّة لا وقائع بعينها:
فقد يشترط الرجل في شريكته إسهاما ماليّا في أعباء البيت (وهو توقّع استعاره من التصوّر الحديث)، ثمّ يطالبها في المقابل بكامل الخدمة المنزليّة والطاعة التامّة (وهو واجب استبقاه من الموروث)، رافضا التنازل عن قوامته الشكليّة أو تقاسم الأعباء داخل البيت.
وفي المقابل، قد تتمسّك الزوجة العاملة باستقلال ذمّتها الماليّة وكامل حرّيتها في الحركة والقرار، مستندة في ذلك إلى خطاب الحقوق الفردانيّة الحديثة، ثمّ تجعل من بعض الأحكام التراثيّة ذريعة لإعفاء نفسها من كلّ مساهمة متوافق عليها في أعباء الحياة المشتركة، مع مطالبتها في الوقت نفسه بشراكة كاملة في القرار وتقاسم الأدوار داخل البيت.
وقد تمتدّ هذه الازدواجيّة إلى الأسرة عموما؛ حين تطالب بمهر ثقيل وعرس باذخ باسم «العادة»، ثمّ تنتظر من الزوج أن يتحمّل تكاليف التأسيس والنفقة كاملة باسم «الشرع»، بينما ترجو لابنتها استقلالا كاملا في القرار على النمط الفردانيّ.
وفي هذه الأحوال جميعا، يأخذ كلّ طرف الحقّ من منظومة، والإعفاء من منظومة أخرى؛ فتتحوّل المرجعيّات إلى أدوات للتفاوض النفعيّ والتبرير، لا ميثاقا للتكامل والتراضي، فينشأ التناقض الذي ينهك العلاقة من داخلها.
على أنّ المشهد ليس انقلابا كاملا على المرجعيّة الموروثة؛ فالبحث ذاته يكشف أنّ الوساطة العائليّة لا تزال حاضرة بقوّة، إذ تمّت بها نحو 58,3% من الزيجات. وهذا التعايش بين وساطة العائلة وسعي الفرد إلى استقلاله يكشف أحد أوجه هذا التركيب المرجعيّ؛ فلا تختفي مرجعيّة لصالح أخرى، بل تتجاور مرجعيّات متعدّدة في الفرد والأسرة نفسها.
ومن مظاهر هذا التمزّق — وإن كان لا يُختزل فيه — ما نراه من هشاشة في الروابط؛ فقد ارتفعت نسبة العزوبة النهائيّة ارتفاعا لافتا في العقد الأخير، من 5,9% سنة 2014 إلى 9,4% سنة 2024. وقد يكون التلفيق القيميّ أحد روافد هذا التحوّل، وإن كان يصعب قياس أثره بمعزل عن عوامل أخرى اقتصاديّة واجتماعيّة — من بطالة وسكن وهجرة وتكاليف — بل ونفسيّة، تتصل بالخوف من الالتزام وتبدّل تصوّرات الفرد عن الاستقرار والشراكة.
واللافت أنّ مسار مراجعة مدوّنة الأسرة نفسه يكشف هذا التوتّر؛ فهو يتحرّك منذ سنوات بين الاستجابة للتحوّلات الاجتماعيّة والحفاظ على استمراريّة المرجعيّة، دون حسم نهائيّ حتى الساعة — بما يعكس صعوبة الفصل بين الجمود والاستنساخ.
ثالثا: ما العمل؟ استعادة عمق الميثاق
ليس المخرج في استرجاع عادة متحجّرة نسمّيها زورا «أصالة»، ولا في استيراد نموذج فردانيّ نلبسه جلدنا فلا يلائمه. المخرج في استعادة عمق الميثاق من داخل مرجعيّتنا ذاتها. فإنّ ما يبحث عنه المعاصر لاهثا — من مصاحبة وأنس وكرامة للطرفين — قد أودعه القرآن في الزواج نصّا صريحا: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾.
فاللباس ستر وزينة ودفء والتصاق؛ وهي عين «الصحبة» التي يحسبها المفتون بالفردانيّة اختراعا حديثا، وهي في تراثنا أصل راسخ. فقد عدّ أبو حامد الغزاليّ في «آداب النكاح» من كتاب الإحياء من فوائد النكاح: الأنس بالمؤانسة، ومجاهدة النفس وتربيتها بالقيام على حقوق الأهل والصبر على أخلاقهم. فالتصوّر الإسلاميّ للزواج لم يكن يوما مجرّد حقوق وواجبات جافّة، بل سكنا وألفة وحسن عشرة وتزكية للنفس بمعاناة الحياة المشتركة.
على أنّ الصدق المنهجيّ يفرض ألّا نردّ كلّ إحجام إلى «انهيار القيم». فجانب عريض من العزوف تحكمه اعتبارات مادّيّة واضحة: فالبطالة وغلاء المعيشة وارتفاع تكاليف الزواج من العوامل التي تسهم في صدّ الشباب عن تأسيس أسرة، حتى سار المثل: «زواج ليلة تدبيره عام». ومن ثمّ فإنّ الوعظ وحده — إذا كان الداء في الجيب والسكن — تشخيص في غير موضعه.
واستعادة الميثاق ليست خطبة تُلقى، بل عمل يُنجَز على أربع جبهات متضافرة: إصلاح المعنى بتنشئة تعيد إلى الناشئة معنى الزواج مركّبا متكاملا لا صفقة حقوق، وإصلاح الاقتصاد بتيسير أسباب الزواج وتمكين الشباب، وإصلاح العادة بمحاربة المغالاة والمفاخرة، وإصلاح التشريع بمواءمة تحفظ الكرامة دون أن تقطع الجذر. وليست روح الميثاق عاطفة عصيّة على التقنين؛ فمن مداخل تنزيلها في نصّ قابل للتقاضي الإنصافُ في اقتسام الثروة المكتسبة أثناء الزواج والاعترافُ بإسهام الزوجة — وهو ما تصله تقاليدنا الفقهيّة المغربيّة بقاعدة «الكدّ والسعاية» — بما يترجم المودّة والعدل إلى حقّ لا إلى منّة.
في الختام
تحوّلات الزواج بالمغرب ليست ملفّا اجتماعيّا معزولا؛ إنّها مرآة مصغّرة لسؤال الأمّة الأكبر: كيف نأخذ من تجارب العصر أحسنها دون أن نغدو لقطاء على موائد غيرنا، وكيف نبقى أوفياء لأصلنا دون أن نتحوّل إلى حرّاس متحف؟ إنّ الميثاق الغليظ ليس خلفنا لنعيد إنتاجه حنينا، ولا هو نموذج جاهز نستورد بديلا عنه انبهارا؛ إنّه مركّب من سكن ومودّة ورحمة ومسؤوليّة وأمانة وصحبة، ننتظر أن نعاود سكناه. فليس المطلوب أن نعيد المجتمع إلى الوراء، بل أن نعيد المعنى إلى الأمام.
المصادر والمراجع
1. المندوبيّة السامية للتخطيط، «البحث الوطنيّ حول الأسرة/العائلة 2025»: عدم الرغبة في الزواج لدى 51,7% من العزّاب؛ مؤشّر الخصوبة 1,98؛ الوساطة العائليّة في 58,3% من الزيجات؛ تراجع الزواج بين الأقارب من 29,3% (1995) إلى 20,9% (2025).
2. المندوبيّة السامية للتخطيط، معطيات العزوبة النهائيّة 2014–2024 (9,4% سنة 2024 مقابل 5,9% سنة 2014، وتُعرَّف بعدم الزواج عند سنّ 55).
3. فاطمة المرنيسي، «ما وراء الحجاب: الجنس كهندسة اجتماعية»، ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل، المركز الثقافيّ العربيّ، 2005 (الأصل الإنجليزيّ 1975).
4. أبو حامد الغزاليّ، «إحياء علوم الدين»، كتاب آداب النكاح، الفصل في فوائد النكاح (المؤانسة ومجاهدة النفس بالقيام على الحقوق).
5. القرآن الكريم: سورة الروم (21)، وسورة النساء (21)، وسورة البقرة (187).
6. قاعدة «الكدّ والسعاية» في العُرف والفقه المالكيّ المغربيّ: حقّ الزوجة في المال المكتسب أثناء قيام الزوجيّة.
7. مدوّنة الأسرة المغربيّة (القانون رقم 70.03 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف بتاريخ 3 فبراير 2004) ومسار مشروع مراجعتها 2023–2026 (لم يُحسَم نهائيًّا حتى سبتمبر 2026؛ ومدوّنة 2004 هي النصّ النافذ).



