في الواجهةمجتمع

الفايد يتجاوز الخطوط الحمراء.. ومقام الرسول ﷺ ليس مجالا للعبث

الفايد يتجاوز الخطوط الحمراء.. ومقام الرسول ﷺ ليس مجالا للعبث

REGION CASA SETTAT

السفير 24

لم يعد ما كتبه الدكتور محمد الفايد على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد رأي عابر أو اجتهاد شخصي يمكن أن يمر مرور الكرام، بعدما اختار أن يطرق بابا شديد الحساسية يتعلق بمقام خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ويطرح كلاما حول “أمية” الرسول الكريم بطريقة أثارت موجة واسعة من الغضب والانتقاد داخل المغرب وخارجه.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: هل يحق للفايد أن يناقش قضية علمية أو دينية؟ فالنقاش العلمي مشروع، والاجتهاد له مجاله وأهله، والاختلاف في الفروع لا يفسد للود قضية. لكن السؤال الحقيقي هو: هل كل ما يقال باسم الاجتهاد يصبح مقبولاً، حتى عندما يتعلق الأمر بأشرف الخلق وأكرم البشر، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟

هناك فرق شاسع بين البحث العلمي الرصين وبين إطلاق عبارات قابلة للتأويل، وبين مناقشة مسألة تراثية بأدب العلماء واحترام النصوص، وبين صياغة كلام يمكن أن يفهم منه انتقاص من مقام النبوة أو تشكيك في حقيقة قرآنية راسخة لدى المسلمين.

فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس شخصية تاريخية عادية حتى يصبح مقامه مجالا للاستعراض الفكري أو البحث عن الإثارة على منصات التواصل الاجتماعي. إنه نبي هذه الأمة ورسولها، وخاتم الأنبياء والمرسلين، الذي قال الله تعالى في حقه: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” .

وإذا كان من حق أي إنسان أن يناقش الأفكار، فليس من حقه أن يتعامل مع الثوابت الدينية بمنطق “الترند” ولفت الانتباه، خصوصا عندما يكون الحديث عن شخص يحتل مكانة مقدسة في وجدان أكثر من مليار مسلم.

والأخطر من ذلك أن صاحب هذه التدوينة ليس شخصا مجهولا، بل شخصية معروفة راكمت حضورا إعلاميا واسعا، ما يجعل تأثير كلماته أكبر ومسؤوليته أمام الرأي العام أثقل. ومن هنا فإن الحرية في التعبير لا يمكن أن تكون ذريعة لإطلاق عبارات صادمة ثم الاختباء خلف شعار “أنا فقط أطرح سؤالا”.

يا دكتور الفايد، العلم لا يمنح صاحبه حصانة من النقد، والشهرة لا تمنح صاحبها حق تجاوز حدود الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإذا كان المقصود هو البحث العلمي، فالبحث العلمي له قواعده ومراجعه وأهله، وله لغة تختلف تماما عن لغة الاستفزاز والتدوينات التي تثير الجدل. أما إذا كان المقصود مجرد طرح سؤال، فهناك آلاف الطرق المحترمة لطرح الأسئلة دون المساس بمقام النبي الكريم أو تحويل قضية عقدية حساسة إلى مادة للنقاش الفيسبوكي.

إن المسلمين في المغرب لا يحتاجون إلى “اجتهادات” تهز ثوابتهم، ولا إلى شخصيات تقدم نفسها أحيانا باعتبارها صاحبة الحقيقة المطلقة في الدين والتغذية والطب والتاريخ وغيرها من المجالات. ما يحتاجه المغاربة هو خطاب علمي مسؤول، يحترم التخصص، ويحترم الثوابت الدينية، ويحترم عقول الناس.

ومن هنا، فإن الكرة اليوم في ملعب وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، باعتبارها الجهة المكلفة بتدبير الشأن الديني بالمملكة، والمسؤولة عن تأطير الحقل الديني والحفاظ على الأمن الروحي للمغاربة. وقد أكدت الوزارة في مناسبات رسمية أن من صميم عملها تعزيز الأمن الروحي ونشر الثقافة الإسلامية المعتدلة.

والرسالة إلى السيد أحمد التوفيق واضحة:
لسنا أمام خلاف عادي بين شخصين حول مسألة فقهية، بل أمام كلام صدر على الملأ وتعلق بمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأثار بالفعل غضبا واسعا. ولذلك فإن الصمت أو الاكتفاء بمتابعة النقاش من بعيد قد يفتح الباب أمام مزيد من التجاوزات باسم حرية التعبير والاجتهاد.

المطلوب ليس التحريض على أحد، ولا إصدار أحكام مسبقة، ولا تحويل القضية إلى تصفية حسابات شخصية، وإنما فتح نقاش علمي مؤسساتي واضح حول ما ورد في التدوينة، وبيان موقف العلماء المختصين منه، حتى لا تبقى الساحة مفتوحة أمام التأويلات والتفسيرات المتضاربة.

فمقام النبي صلى الله عليه وسلم أكبر من أن يكون مادة للمزايدات، وأقدس من أن يتحول إلى وسيلة لجلب المشاهدات والتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي النهاية، يمكن للإنسان أن يختلف معك في السياسة، وأن يناقشك في العلم، وأن ينتقد أفكارك، وأن يرد على أطروحاتك، لكن حين يتعلق الأمر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الأدب قبل العلم، والاحترام قبل النقاش، والرجوع إلى أهل الاختصاص قبل إطلاق الأحكام.

لقد قال الله تعالى: “إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما” .

فصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما الجدل، فسيهدأ يوما، وأما مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فباق في قلوب المسلمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى