
السفير 24
قرأنا ما كتبه محمد أوزين عن إدريس شحتان، فلم نجد أمامنا ردا سياسيا على خلاف، ولا تفنيدا مهنيا لما نشرته مؤسسة إعلامية، ولا حتى مناقشة هادئة لملف المجلس الوطني للصحافة. وجدنا نصا مثقلا بالتجريح، والاتهامات الخطيرة، والتلميحات والوعيد، وكأن السياسة حين تعجز عن إنتاج الحجة تستدعي قاموس التهديد والتشهير لتعويضها.
كان بإمكان محمد أوزين أن يناقش إدريس شحتان في كل ما نشره. وكان بإمكانه أن يفند، بالوقائع والوثائق، ما يعتبره أكاذيب أو افتراءات. وكان بإمكانه، إن اعتقد أنه تعرض للابتزاز أو التشهير أو لأي فعل يعاقب عليه القانون، أن يلجأ إلى القضاء ويضع أمامه ما يقول إنه يتوفر عليه من أدلة.
ذلك هو الطريق الطبيعي في دولة المؤسسات.
أما أن ينصب السياسي نفسه خصما ومحققا وقاضيا، ويوزع الاتهامات والأحكام، ثم يعلن للناس أن «ساعة» هذا الشخص أو ذاك «قد اقتربت»، فهنا يصبح السؤال مشروعا: عن أي ساعة يتحدث محمد أوزين؟ ومن منحه سلطة تحديد موعدها؟
في دولة القانون، الساعات التي ينبغي أن يخشاها المخطئون تضبطها العدالة، لا تدوينات السياسيين.
الأخطر أن الرجل الذي يقدم نفسه مدافعا عن الأخلاق في الإعلام اختار أن يخوض معركته بلغة لا علاقة لها بأخلاق الاختلاف. وحين يدخل الحديث إلى دائرة الأسر والأعراض والموتى والأنساب، نكون قد غادرنا النقاش العمومي ودخلنا منطقة لا تليق لا بالسياسة ولا بالإعلام.
ومن المفارقات أن يتحدث أوزين عن «التفاهة» في نص حافل بالنعوت الشخصية. فالتفاهة لا تصبح فضيلة عندما يستخدمها سياسي ضد صحافي، والتشهير لا يصبح حقا مكتسبا لمجرد أن صاحبه يحمل صفة حزبية.
أما المجلس الوطني للصحافة، فليس غنيمة لمحمد أوزين ولا لإدريس شحتان ولا لأي حزب أو ناشر. إنه مؤسسة تخص الصحافيين والناشرين والمجتمع، والنقاش حول قوانينه ومستقبله يجب أن يكون بالحجة والمؤسسات، لا بتصفية الحسابات.
وإذا كان أوزين يتوفر فعلا على ملفات تثبت ما سماه «الابتزاز» و«الفساد» و«المساومة»، فليضعها أمام القضاء والرأي العام في الحدود التي يسمح بها القانون. أما إطلاق الاتهامات بالجملة ثم مطالبة الآخرين بإثبات براءتهم، فليس شجاعة سياسية ولا كشفا للحقائق.
والأغرب أن يستدعى مفهوم «تامغرابيت» لتبرير هذا النوع من الخطاب. فتامغرابيت، كما نفهمها، ليست عصا ترفع في وجه المختلفين، ولا شهادة حسن سلوك يمنحها سياسي لمن يشاء ويسحبها ممن يشاء. المغاربة ليسوا في حاجة إلى من يوزع عليهم صكوك الوطنية والانتماء.
محمد أوزين سياسي، ومن حقه أن يختلف وأن ينتقد وأن يدافع عن نفسه وحزبه بأقصى درجات الصرامة. لكنه ليس محكمة، وليس جهاز تحقيق، وليس صاحب سلطة على مستقبل الناس.
ولهذا، قبل أن يقول لإدريس شحتان إن «ساعته قد اقتربت»، ربما كان الأجدر به أن ينتبه إلى ساعة أخرى: ساعة السياسة عندما تفقد أعصابها، وتتخلى عن الحجة، وتنزل إلى الشخصنة، ثم تعتقد أن رفع منسوب الإهانة دليل على القوة.
القوي لا يحتاج إلى الوعيد.
ومن يملك الدليل يذهب به إلى القضاء.
ومن يملك الحجة يواجه بها الحجة.
أما الباقي، مهما ارتفع صوته، فيظل ضجيجا.
وإذا كان لهذا السجال من فائدة، فهي أنه يذكر الجميع بحقيقة بسيطة: لا أحد فوق النقد، لا الصحافي ولا الناشر ولا الأمين العام لحزب سياسي. ولا أحد يملك، في المقابل، حق تحويل النقد إلى محاكمة شخصية أو تهديد مبطن.
فاحذروا الكلمات حين تصدر عن مسؤول سياسي، لأن الكلمة ليست دائما مجرد كلمة، خصوصا عندما تقول لشخص أمام الرأي العام إن «ساعته قد اقتربت».
والقضاء وحده، لا التدوينات، هو المكان الذي تختبر فيه الاتهامات وتعرف فيه الحقيقة.



