
السفير 24
لا تكشف الانتخابات عن حجم الأحزاب في صناديق الاقتراع فقط، بل تكشف أيضا عن قدرتها على إنتاج الأشخاص الذين يمثلونها. وبين حزب ينتظر اقتراب الانتخابات ليبحث عن مرشحين، وآخر يجد داخل هياكله أسماء جاهزة لخوض المنافسة، توجد واحدة من العلامات الفارقة في مأسسة العمل السياسي.
هذه الزاوية تبدو حاضرة بقوة في الخريطة الانتخابية التي أعدها حزب الأصالة والمعاصرة للتشريعيات المقبلة، بعدما اختار أن يمنح مساحة مهمة لأسماء راكمت تجربتها السياسية والتنظيمية تحت رايته، دون أن يغلق الباب أمام وافدين جدد وكفاءات يراهن عليها لتعزيز عرضه الانتخابي.
وتكشف المعطيات المتعلقة بالمرشحين أن 58 في المائة منهم تدرجوا داخل هياكل الحزب وسبق لهم خوض تجارب انتخابية باسمه، وهي نسبة تضع الاستمرارية في قلب اختيارات البام، وتمنح للترشيحات بعدا يتجاوز الحسابات المرتبطة بكل دائرة.
فالرقم يعني، قبل كل شيء، أن الحزب أصبح يمتلك بعد سنوات من الحضور السياسي والمؤسساتي قاعدة بشرية يستطيع أن يستخرج منها أغلبية مرشحيه، وأن جزءا مهما من الوجوه التي ستدخل السباق نحو مجلس النواب لم يبدأ ارتباطها بالبام مع اقتراب الانتخابات.
وهي مسألة تحمل دلالة خاصة بالنسبة إلى حزب ارتبطت مراحل من مساره السياسي بنقاش واسع حول الاستقطابات وقدرته على جذب المنتخبين والأسماء القوية انتخابيا. فقد كان توسيع القاعدة البشرية للحزب جزءا من مرحلة بناء حضوره، لكن مرور السنوات أفرز وضعا مختلفا، بعدما أصبحت للبام أطر وقيادات ومنتخبون راكموا تجاربهم السياسية داخله.
من هنا، يمكن النظر إلى الاختيارات الحالية باعتبارها محاولة للانتقال من مجرد امتلاك مرشحين إلى بناء مسارات سياسية.
فالحزب لا يصبح مؤسسة لمجرد توفره على هياكل وطنية وجهوية ومحلية، وإنما حين يستطيع العضو الذي يبدأ نشاطه داخل هذه الهياكل أن يرى أمامه طريقا نحو تحمل مسؤوليات أكبر. وعندما يصبح الوصول إلى التزكية ممكنا بعد تراكم تنظيمي وميداني، يكتسب العمل الحزبي نفسه قيمة تتجاوز موسم الانتخابات.
وفي هذا السياق، تبرز أسماء راكمت حضورها داخل الأصالة والمعاصرة قبل الوصول إلى واجهة الاستحقاق التشريعي، ومن بينها نجوى كوكوس، التي ارتبطت تجربتها السياسية بالحزب وتدرجت داخل مسؤولياته التنظيمية.
لكن البام لم يحول التجربة السابقة إلى شرط وحيد للعبور نحو الترشيح، إذ تظهر الخريطة الانتخابية أيضا وجود وجوه تدخل المنافسة للمرة الأولى، بما يعكس سعيا إلى تجديد جزء من النخب بالتوازي مع الحفاظ على أصحاب التجربة.
وهنا يبدو أن الحزب يحاول إدارة واحدة من أصعب المعادلات التي تواجه التنظيمات السياسية: كيف يكافئ من اشتغلوا داخله دون أن يغلق أبوابه أمام القادمين الجدد؟
فالحزب الذي يغير جل مرشحيه عند كل انتخابات قد يربح أسماء جاهزة، لكنه يخاطر بإضعاف الحافز على العمل داخل هياكله. وفي المقابل، فإن الاكتفاء بالوجوه نفسها يمكن أن يحول الاستمرارية إلى جمود، ويجعل التدرج التنظيمي مجرد إعادة إنتاج للنخبة ذاتها.
لذلك، لا تكمن أهمية تركيبة مرشحي البام في غلبة القدامى أو حضور الجدد، وإنما في محاولة التوفيق بين المسارين: الاحتفاظ بخبرة تراكمت داخل التنظيم وإدخال أسماء يمكنها توسيع قاعدته وتجديد عرضه.
ويبقى الامتحان الحقيقي لهذه المقاربة في ما بعد التزكيات. فالتدرج داخل الحزب لا يشكل، بمفرده، ضمانة للكفاءة، كما أن حداثة الانتماء لا تعني غيابها. والمعيار النهائي سيكون قدرة المرشحين على تحويل تجاربهم، القديمة والجديدة، إلى عرض سياسي يقنع الناخبين.
لكن المؤكد أن خريطة الترشيحات تقدم هذه المرة مؤشرا على أن الأصالة والمعاصرة أصبح يمتلك رصيدا بشريا صنعته سنوات وجوده في المشهد السياسي.
وإذا كان البام قد عرف في مرحلة من تاريخه بقوة استقطابه، فإنه يدخل انتخابات 2026 أمام اختبار مختلف: إثبات أن الحزب الذي نجح في جذب النخب أصبح قادرا أيضا على صناعة جزء مهم منها داخل بيته.



