
السفير 24
شهدت كلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية بالمحمدية تقديم رسالة ماستر جديدة سلطت الضوء على موضوع “المجتمع المدني الرقمي والتحولات الاجتماعية بالمغرب”، في محاولة أكاديمية لفهم الأدوار الجديدة التي باتت تلعبها المنصات الرقمية في إعادة تشكيل المجتمع، وتغيير أنماط المشاركة، والتعبير عن المطالب، وصياغة أشكال جديدة من الاحتجاج والعمل المدني.
وتقف هذه الرسالة عند التحولات العميقة التي أحدثتها تكنولوجيا الاتصال في الفضاء العمومي المغربي، حيث لم يعد النشاط المدني مقتصرا على الجمعيات الكلاسيكية والقنوات التنظيمية التقليدية، بل انتقل جزء مهم منه إلى الفضاءات الافتراضية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى فضاءات للنقاش العمومي، وتبادل المعلومات، وبناء حملات تضامن رقمية، وخلق شبكات ضغط جديدة ذات تأثير متزايد في صنع القرار أو في توجيه الرأي العام.
وتبين الدراسة أن المجتمع المدني الرقمي بالمغرب أصبح فاعلا مؤثرا في المشهد الاجتماعي، من خلال مساهمته في كشف العديد من الاختلالات، واستحضاره لقضايا العدالة الاجتماعية، والحقوق والحريات، ومطالب تحسين الخدمات العمومية، مستفيدا من سرعة انتشار المعلومات، وانخفاض كلفة التواصل، واتساع قاعدة الفاعلين، خاصة في صفوف الشباب، الذين وجدوا في الفضاء الرقمي بديلا عن عزوفهم السابق عن الأطر التقليدية للمشاركة.
كما ترصد الرسالة مجموعة من المؤشرات الأمنية المرتبطة بالنشاط الرقمي، مثل توتر العلاقة أحيانا بين الفاعلين المدنيين والمؤسسات الرسمية، وتنامي النقاش حول قضايا حماية المعطيات الشخصية، وخطاب الكراهية، والأخبار الزائفة، وحدود حرية التعبير على المنصات الرقمية، فضلا عن التحديات الأمنية التي تطرحها بعض أشكال التعبئة أو التحريض عبر الشبكات، وهو ما يدفع، بحسب الباحث، إلى ضرورة إيجاد توازن دقيق بين صيانة الأمن العام وضمان الحق في التعبير والمشاركة الرقمية.
ووقف الباحث رضوان كركر في هذه الدراسة عند التحولات الاجتماعية التي أفرزها المجتمع المدني الرقمي، من قبيل بروز ثقافة رقمية شبابية تعيد تعريف مفاهيم المواطنة والمشاركة، وتوسع من دائرة الفاعلين في القضايا العمومية، وتغيّر أنماط التنظيم والعمل التطوعي، حيث ظهرت مبادرات رقمية خالصة، وأخرى هجينة تجمع بين الحضور الافتراضي والحضور الميداني، ما أسهم في إعادة توزيع أدوار كل من الدولة والمجتمع والفرد داخل الحقل الاجتماعي.
وفي السياق ذاته، تولي الرسالة أهمية خاصة للحركات الاحتجاجية ذات الامتداد الرقمي، حيث تتبع كيف تحولت المنصات الاجتماعية إلى أداة فعالة للتعبئة، والتنسيق، ونشر الشعارات، والتأطير الرمزي للاحتجاجات، مع إبراز الكيفية التي سمحت بها هذه الأدوات لبروز “أصوات هامشية” كانت مهمشة في القنوات التقليدية، لتجد في الشبكات الرقمية فضاء للتعبير عن مطالبها وتقديم سرديات بديلة حول السياسات العموميةوخاصة مع تنامي ظاهرة الاحتجاجات الرقمية مؤخرا بالمغرب حركة جيل z نموذجا والدعوة الى مقاطعة بعض الاخبار والمنتوجات في الوسائط المجتمعية بصفة عامة .
وترى الدراسة أن هذه التحولات الرقمية أفرزت أيضا أنماطا جديدة من التغير الاجتماعي، سواء على مستوى العلاقة بالمؤسسات، أو على مستوى تمثلات المواطنين لأدوارهم داخل المجتمع، حيث تزايد الشعور بالقدرة على التأثير والمتابعة والمساءلة، مقابل تراجع نسبي لصورة المواطن المتلقي السلبي، كما انعكس ذلك على مستوى إعادة تعريف أدوار النخب الوسيطة، من أحزاب ونقابات وجمعيات تقليدية، التي أصبحت مطالبة بإعادة تموضعها أمام فاعلين رقميين أكثر مرونة وسرعة.
وبناء على تحليل هذه المؤشرات الأمنية والاجتماعية والاحتجاجية، تخلص رسالة الماستر إلى أن المجتمع المدني الرقمي بات مكونا بنيويا داخل المشهد المغربي، وليس مجرد ظاهرة ظرفية مرتبطة بموجة تقنية عابرة، ما يستدعي التعاطي معه على هذا الأساس من طرف المشرّع، وصناع القرار، ومختلف الفاعلين المؤسساتيين والمدنيين.
وتؤكد الدراسة في خاتمتها على أهمية تطوير الإطار القانوني المنظم للمجتمع المدني الرقمي، من خلال مراجعة وتحيين النصوص التشريعية ذات الصلة بحرية التعبير، وحماية المعطيات الشخصية، والجمعيات، والإعلام، بما يضمن من جهة مواكبة التطور التكنولوجي المتسارع، ومن جهة أخرى توفير بيئة قانونية وآمنة تسمح للمجتمع المدني الرقمي بالقيام بأدواره في الترافع، والمساءلة، والتوعية، والمشاركة في بلورة السياسات العمومية، دون أن يتحول هذا الفضاء إلى مجال للفوضى أو الانتهاكات.
وتدعو الرسالة، في الأخير، إلى تبني رؤية شمولية لسياسات التحول الرقمي بالمغرب، تجعل من المجتمع المدني الرقمي شريكا لا غنى عنه في مسار التحديث الديمقراطي، عبر الاستثمار في التكوين الرقمي للمواطنين، وتشجيع ثقافة الاستخدام المسؤول للمنصات الاجتماعية، وإرساء آليات تشاركية رقمية تسمح بإدماج أصوات مختلف الفئات في النقاش العمومي، بما ينسجم مع رهانات العصر الرقمي ويستجيب لتطلعات المجتمع المغربي في العدالة والكرامة والتنمية.



