في الواجهةكتاب السفير

السيادة الغذائية: الحكامة من أجل الوفرة والجودة ​جرس إنذار من التقارير الدولية

السيادة الغذائية: الحكامة من أجل الوفرة والجودة ​جرس إنذار من التقارير الدولية

le patrice

السفير 24 – عزيز رباح

لم يعد الأمن الغذائي مجرد ملف فلاحي تقني أو قطاعي، بل تحول إلى تحدٍ سيادي وحضاري، وفقاً لما تؤكده التقارير الدولية الحديثة؛ وعلى رأسها التقرير السنوي “حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم” (SOFI) الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة (FAO) وشركائها، وتقرير “المخاطر العالمية” للمنتدى الاقتصادي العالمي، والتقرير العالمي للسياسات الغذائية الصادر عن المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية (IFPRI). وتجمع هذه التقارير على أن أزمة الغذاء باتت تشكل تهديداً وجودياً للاستقرار السياسي والاجتماعي لكل الدول، وخاصة منها النامية والصاعدة.

​إن التحدي الكبير اليوم لم يعد يتعلق بمعضلة “الوفرة” لضمان إطعام الجميع، بل انتقل إلى “جودة الغذاء”؛ أو ما يصطلح عليه بـ “الغذاء الصحي” الذي يُحرم منه ثلث سكان العالم تقريباً. وتكشف المؤشرات الصادمة في هذه التقارير حجم المعضلة وتداعياتها، نوجز أهمها في ثلاثة أرقام معبرة:

​- ارتفاع تكلفة الغذاء: شهدت تكلفة الغذاء عالمياً ارتفاعاً مهولاً وصل إلى 25%، مما يضع ميزانيات الأسر تحت ضغط حاد يؤثر على ترتيب أولوياتها، خاصة في مجالي الصحة والتعليم.

– ​عجز القدرة الشرائية: يبلغ متوسط تكلفة تأمين غذاء صحي يومي للفرد 4.28 دولار، وهو رقم يتجاوز القدرة الشرائية لملايين المواطنين في كل بلد.

​- اتساع دائرة الحرمان: أدى هذا الارتفاع إلى حرمان حوالي ثلث سكان العالم (2.69 مليار إنسان) من حقهم الأساسي في الغذاء الصحي.

​هذه المؤشرات ليست مجرد أرقام، بل هي “جرس إنذار” يكشف أننا أمام أزمة “ولوج” أو “يُسر” للحصول على الغذاء الصحي، وهي أزمة تصيب أغلب الدول وتهدد مستقبلها.

​التحديات والكلفة: الغذاء كرهان حضاري وسيادي:

​إن تأمين الغذاء، ليس فقط من حيث الوفرة، بل من حيث “الجودة والسيادة”، يمثل اليوم قضية حضارية بامتياز. فالدولة التي لا تضمن سلامة ما يستهلكه مواطنوها تتخلى عن أحد أهم ضمانات سيادتها الصحية والسياسية؛ فالغذاء ليس مجرد سلعة عابرة خاضعة لمنطق السوق، بل هو “قوة ناعمة” ومؤشر على قوة الدولة ويقظتها.

​وفي هذا السياق، تتشعب التكلفة لتشمل أبعاداً حيوية:

– ​الكلفة الصحية والاجتماعية: تبرز “التكلفة الخفية” للغذاء غير الصحي كقنبلة موقوتة؛ إذ يواجه المواطنون الذين يضطرون للاعتماد على سلة غذائية فقيرة الجودة مخاطر صحية مضاعفة، مما يزيد من الضغط على المنظومة الصحية وصناديق الحماية الاجتماعية، خاصة بالنسبة للفئات الهشة والشباب خارج منظومة التعليم والعمل (NEET)، مما يهدد المجتمع بالشلل التنموي وتفكك الرابطة الأسرية.

– ​الكلفة المالية: إن الاعتماد المفرط على الاستيراد يمثل استنزافاً مستداماً لاحتياطيات العملة الصعبة، ويجعل اقتصادنا الوطني رهينة لتقلبات الأسواق الدولية، وتذبذبات أسعار الطاقة والشحن. هذا “التضخم المستورد” يثقل كاهل الميزانية العمومية ويفرض أعباءً إضافية لدعم المواد الأساسية، مما يقلص هوامش المناورة المالية للدولة.

​- الكلفة السياسية والاستقرار: إن الغذاء يمثل الركن الأساسي في “العقد الاجتماعي” بين الدولة والمواطن. إن أي إخفاق في تأمين الغذاء، أو تهاون في ضبط جودته وأسعاره، يُضعف ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، ويغذي مشاعر الإحباط والاحتقان الاجتماعي. فاستقرار الدول لا يتحقق فقط بالسياسات العامة، بل يبدأ من “الخبز اليومي”؛ وبالتالي، فإن السيادة الغذائية هي صمام أمان للاستقرار السياسي والاجتماعي.

​الأسباب الهيكلية لهذه المعضلة:

​تؤكد التقارير المرجعية أن هذه الأزمة العالمية هي نتيجة تراكمات هيكلية ومعطيات دولية ومحلية تتضافر لتضخيم الفاتورة الغذائية، ونوجزها في ما يلي:
​- اختلال الأولويات الاستراتيجية (التصدير مقابل السوق الداخلي): تعاني السياسات الغذائية من انحياز في الأولويات، حيث يتم تفضيل المحاصيل الموجهة للأسواق الخارجية (سعياً وراء العملة الصعبة) على حساب تلبية احتياجات السوق المحلي، مما يخلق ندرة مصطنعة ويؤدي إلى ضغط تضخمي على القدرة الشرائية للمواطنين.

– ​ضعف تثمين الموارد والأراضي: يبرز خلل بنيوي في استغلال الأراضي الفلاحية والثروات الطبيعية؛ فهناك طاقات إنتاجية هائلة لا تزال غير مستغلة، أو تُدار بأساليب تقليدية لا ترقى لمستوى التطور التكنولوجي.

– ​اختلالات المسار بين الإنتاج والاستهلاك: يساهم تعدد الوسطاء والمضاربين في تضخيم الأسعار بشكل غير مبرر، حيث يتم استنزاف هوامش ربح المنتج وتضخيم الكلفة النهائية على المستهلك عبر حلقات وسيطة غير منتجة، هذا بالإضافة إلى تردي طرق وأماكن العرض مما يضعف جودة المنتوج.

– ​العوامل المناخية: أصبحت هذه العوامل “مضخمات للأزمات”، إذ تعطل القدرات الإنتاجية وسلاسل تموين الأسواق، وتؤدي إلى رفع الأسعار وتهميش أسواق الدول الضعيفة وحتى الصاعدة، أو تزويدها بمنتجات أقل جودة.

​الحكامة: الطريق نحو السيادة الغذائية:

​توصي التقارير المذكورة، ويعززها تحليل الخبراء، بضرورة اعتماد حكامة غذائية متكاملة لتمكين استدامة النظام الإنتاجي وتحقيق الوفرة وضمان الجودة وتيسير تموين الأسر. وتتجاوز هذه الحكامة التدبير التقني والإداري لتشمل المنظومة الغذائية برمتها، وأهم أركانها:

– ​الحكامة السيادية والرقابية: تبني دور “الدولة الضابطة” عبر مراجعة سياسات الإنتاج والتصدير لضمان أولوية تلبية الطلب المحلي، مع تفعيل قوانين المنافسة لكسر الاحتكارات، واستخدام “اليقظة الادارية والرقمية” لضبط المسارات السلعية وضمان شفافية الأسعار.

– دبلوماسية الشراكات والتحوط: إدارة السيادة الغذائية بمنطق “الدبلوماسية الزراعية”، عبر بناء شراكات إنتاجية عابرة للحدود في دول شريكة تضمن تدفق الإمدادات نحو السوق الوطني، والتحول من الاعتماد على الأسواق الفورية المتقلبة إلى عقود استيراد طويلة الأمد وتأمين مخزونات استراتيجية دوّارة (Hedging) لتحصين الاقتصاد الوطني ضد تقلبات الأسعار الدولية.

– ​حكامة المدخلات واللوجستيك: لا أمن غذائي بدون “جودة المنبع”؛ لذا يجب تشديد الرقابة الصارمة على الأسمدة والبذور، وتطوير تقنيات الري والزراعة الذكية، مع الاستثمار المكثف في بنيات التخزين والتبريد للحد من الهدر.

– ​الابتكار واقتصاد “الغذاء الوظيفي”: الانتقال إلى تثمين التنوع البيولوجي المحلي (براً وبحراً)، ودعم الاستثمار في المحاصيل ذات القيمة الغذائية العالية، وتشجيع الصناعات التحويلية للأغذية الوظيفية لمحاربة “الجوع الخفي”.

– توطين سلاسل القيم: إعطاء الأولوية لدعم الإنتاج الموجه للسوق المحلي وتمكينه من تحفيزات تفضيلية (مالية، عقارية، وضريبية)، واعتماد “سلاسل التوريد القصيرة” لتقليل التكاليف وتجاوز الوسطاء غير الضروريين.

– ​تأهيل الرأسمال البشري: إدراج مهن سلاسل التموين، واللوجستيك الزراعي، والتقنيات الفلاحية الحديثة ضمن أولويات التكوين المهني والجامعي، لخلق جيل جديد من الكفاءات الكافية والقادرة على قيادة هذا التحول.

– ترشيد ​ثقافة الاستهلاك: تعزيز وعي المجتمع بضرورة الاستهلاك الراشد، والترويج للمنتجات الأقل كلفة والأفضل جودة، وترسيخ ممارسة التضامن الغذائي، ومحاربة الهدر كجزء لا يتجزأ من الممارسة الوطنية السيادية.

​إن ما سبق من عرض لأهم التحديات والتوصيات الواردة في التقارير الدولية، والتي تعززها خلاصات المخططات والدراسات والتقييمات على الصعيد الوطني، يؤكد صوابية النقاش الوطني حول السيادة الغذائية. كما يفرض ضرورة توجيه بوصلة المخططين -سواء في “الجيل الأخضر”، أو “أليوتيس”، أو العقد البرنامج في قطاع الصناعات الغذائية، وبرنامج تثمين النباتات- نحو تحقيق السيادة الغذائية، وفرةً وجودةً.

فتعديل البوصلة تفرض ضرورة التقييم والتقويم بنمنطق الاعتدال في المقاربة بتثمين الإنجازات ومعالجة الإخفاقات من أجل الالتزام الصارم بالأولويات السيادية.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى