في الواجهةكتاب السفير

بين عُزلةِ الـهَامشِ وجهُودِ الإدماج: نحو رُؤيةٍ مسؤولةٍ للوضعياتِ الإقصائية

بين عُزلةِ الـهَامشِ وجهُودِ الإدماج: نحو رُؤيةٍ مسؤولةٍ للوضعياتِ الإقصائية

le patrice

السفير 24 – عبد الفتاح العقيلي

مـقـدمـة

بينما يتحرك النسيج اليومي والاقتصادي بوتيرة متسارعة تضع الإنتاج معياراً أساسياً للأحقية، يقبع في الظل فضاء موازٍ يعيش فيه الأشخاص في وضعية إعاقة؛ سواء كانت بصرية، أو حركية، أو ذهنية ونفسية. يمرّ الناس بهم يومياً كجزء مألوف من المشهد، لكن قلّما يتوقف أحد لتفكيك تلك المسافة الفاصلة بين خطاب التضامن النظري والواقع الإنساني المعيش. إننا هنا لا نتحدث عن ظاهرة الاستجداء التي اتخذها البعض حرفة وتجارة، بل نقف أمام تهميش هيكلي تكشفه المعطيات الميدانية والإحصائية.

التغافل الـمُمَأسس وازدواجية الممارسة

تشتغل علاقة الأفراد بالوضعية الإقصائية للإعاقة وفق ازدواجية سلوكية واضحة؛ فالإنسان في حياته اليومية يميل غريزياً إلى حماية استقراره النفسي عبر عزل المشهد عن دائرة مسؤوليته الشخصية. يتجلى هذا “التغافل الـمُمَأسس” عندما يكتفي المارّ بنظرة عطف عابرة أو تمتمة بدعاء تجاه شخص يواجه حاجزاً عمرانياً، ثم يمضي سريعاً مستأنفاً حياته الطبيعية. هذا السلوك، وإن كان يحمي الفرد من وخز الضمير الفوري، فإنه يساهم تراكمياً في عزل قضية الإعاقة، ويحولها من ملف استحقاق إنساني يتطلب حلولاً جذرية إلى مجرد مشهد محزن عابر.

التهميش الهيكلي في مرآة الأرقام

إذا أردنا النزول إلى أرض الواقع، فإن المؤشرات الميدانية والعددية تكشف حجم الإقصاء الهيكلي؛ إذ تشير معطيات البحث الوطني الثاني حول الإعاقة (سنة 2014) إلى أن نسبة انتشار الإعاقة تقارب 6.8%، ما يعني ملايين الأفراد الذين يصطدمون يومياً ببنية إقصائية. ففي قطاع النقل العمومي، تؤكد التقارير الحقوقية والوطنية أن غالبية الحافلات ومحطات القطار تظل غير مهيأة لاستقبال هذه الفئة في الحواضر الكبرى، مما يحرم الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية من حقهم في التنقل المستقل.

أما في منظومة التعليم، فإن الفجوة أعمق؛ حيث تكشف نتائج البحث ذاته أن نسبة تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة لا تتعدى 41.8% في الفئة العمرية بين السادسة والسابعة عشرة، وتنخفض هذه النسبة بشكل حاد لدى أطفال التوحد والإعاقات الذهنية لغياب الأطر المتخصصة. ويمتد هذا الإقصاء إلى سوق الشغل، حيث يسجل المصدر نفسه معدلات بطالة وسط هذه الفئة تقارب أربعة أضعاف المعدل الوطني، بسبب تقديم منطق الربح على مبدأ تكافؤ الفرص. ولا توحي المعطيات الأحدث الصادرة عن الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 بتحول جوهري في هذه المؤشرات، إذ ما تزال نسبة المشتغلين من الأشخاص في وضعية إعاقة دون العشر.

ورغم هذا القصور، تبذل الأسر وجمعيات المجتمع المدني جهوداً مضنية لتغطية هذا الفراغ بإمكانيات محدودة، مما يؤكد أن الوعي البشري حي، لكنه يفتقر إلى المأسسة والسياسات الشاملة.

التضامن الروحي: من الرعاية الفردية إلى واجب الكفاية

وفي المجتمعات ذات المرجعية الروحية والدينية، يتجاوز هذا الملف حدود الإحسان الفردي الاختياري ليدخل في نطاق المسؤولية التضامنية الملزمة تحت مفهوم “فرض الكفاية”. إن هذا المنظور يعيد صياغة الاختلاف البدني باعتباره اختباراً لضمير الجماعة في مدى تحقيقها لمفهوم الجسد الواحد الذي صرح به البيان النبوي الشريف؛ ففي صحيح مسلم (رقم 2586)، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». ومن هذا المنطلق، لا يمكن أن ينحصر الحل في صدقات مؤقتة، بل في إحياء قيم التكافل المنظم التي توفر الحماية البنيوية للمواطن، وتكفل تلبية احتياجاته باعتبارها فرضاً واجباً لا مِنّة فيه لأحد.

من الشفقة إلى الـمُواطنة الكاملة

إن جوهر ما تحتاجه الفئات التي تعيش على هامش الحركة والإنتاج ليس استدرار الشفقة التي تعمق وعي النقص وتكرس الوصم الاجتماعي، بل هو العدالة الأخلاقية والتوزيعية. لا يتحقق العيش بشرف إنساني إلا بتوفير شروط الاستقلالية والاكتفاء التي تحمي البشر من العوز والاضطرار لموقف الاستعطاف. إن الانتقال من ثقافة الرعاية القائمة على الإشفاق إلى ثقافة “المواطنة الكاملة” والكرامة المشتركة هو السبيل الوحيد لإعادة التوازن الأخلاقي للمجتمع.

خـاتـمـة

إن تشخيص واقع الإعاقة في مجتمعاتنا لا يهدف إلى إدانة الأفراد، بل إلى إنعاش الضمير الجماعي وتوجيهه نحو الثغرات التنظيمية. إن الطاقات الحية التي نراها في صمود الأسر وجهود الجمعيات تحتاج اليوم إلى حاضنة قانونية قوية. ولن يكتمل تقدمنا ما لم تصر صيانة هذه الفئات جزءاً لا يتجزأ من وعي المجموع بذاته، وما لم يتحول التغافل الصامت إلى رؤية مسؤولة تصنع من الحق الإنساني واقعاً راسخاً ومشاعاً للجميع.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى