
السفير 24 – اسماعيل الحلوتي
لم يعد حال المواطن المغربي اليوم يسر أحدا سواء كان صديقا أو عدوا، فهو يكاد لا يتوقف عن الشكوى وترديد الحوقلة، لاسيما بعد أن صار عاجزا عن تحمل المزيد من الضربات الموجعة، في ظل الارتفاع المطرد لأسعار المحروقات التي أرخت بظلالها على أسعار باقي المواد الأساسية والواسعة الاستهلاك، وتسببت في تراجع القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة، دون أن تكون “حكومة الكفاءات” في نسختيها الأولى والثانية قادرة على مواجهة جشع “الفراقشية” الذين ينتشرون في مختلف القطاعات، ولا على الوفاء بوعودها الانتخابية، ناهيكم عما تعيش على إيقاعه ساكنة العالم القروي من إقصاء وتهميش…
وبما أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ماضية في التفاقم منذ مجيء هذه الحكومة المشؤومة، التي أوشكت ولايتها على نهايتها في غضون أسابيع قليلة جدا، من غير أن تتمكن من الوفاء بالتزاماتها إن على مستوى تحسين ظروف عيش المواطنين، خلق مناصب شغل ملائمة للشباب العاطل خاصة ذوي الشهادات العليا، النهوض بالخدمات الاجتماعية في الصحة والتعليم، الحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية، خفض معدلات الفقر والهدر المدرسي، ومكافحة كافة أشكال الفساد والريع…
وبما أن الجولة الأخيرة من الحوار الاجتماعي باءت هي الأخرى بالفشل، فإن المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل أصدرت بلاغا رسميا تدعو من خلاله إلى تنظيم مسيرة وطنية احتجاجية بمدينة الدار البيضاء يوم الأحد 28 يونيو 2026، للمطالبة بإقرار زيادة عامة في الأجور والمعاشات، ومراجعة الضريبة على الدخل من أجل حماية القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين المغاربة، وأكد ذات البلاغ أن المسيرة السلمية المزمع تنظيمها تمثل محطة نضالية جديدة تروم الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والمكتسبات، إلى جانب رفض أي مساس بمكتسبات التقاعد والحريات النقابية، ويدعو بإلحاح الحكومة على ضرورة التعجيل باستئناف الحوار الاجتماعي، شريطة أن يكون حوارا حقيقيا ومنتجا وملزما، يفضي إلى اتخاذ إجراءات عملية تستجيب للأوضاع الاجتماعية الراهنة…
إذ لا يعقل أن تستمر الأوضاع على ما هي عليه من تأزم واحتقان شعبي، من حيث تواصل مسلسل غلاء الأسعار وتدني القدرة الشرائية وتفاقم الهشاشة، وتنامي الضغط الجبائي على الأجراء والمس بمكتسبات الحماية الاجتماعية والتعاضد، والتضييق على الحريات النقابية والحق في الإضراب، بينما “حكومة الكفاءات” التي ما فتئت تدعي التأسيس للدولة الاجتماعية، مازالت متمادية في اعتماد اختيارات لا اجتماعية، تحمل الطبقة العاملة وعموم الفئات الشعبية وزر فشلها وكلفة الأزمة الخانقة، في الوقت الذي يتعين عليها فيه فتح أفق اجتماعي جديد، يقوم على قيم الإنصاف والكرامة والعدالة الاجتماعية والمجالية…
كما لم يفت المركزية النقابية “الكونفدرالية الديمقراطية للشغل” الإعلان في ذات البلاغ عن استنكارها الشديد لإسقاط أحزاب الأغلبية مقترحي القانونين المتعلقين بتسقيف أسعار المحروقات وتفويت شركة “سامير” لحساب الدولة، اللذين تقدمت بهما مجموعتها في مجلس المستشارين في 16 يونيو 2026، معتبرة أن التصويت الممنهج ضدهما يعد انحيازا صريحا للوبيات المحروقات، وتغليبا لأرباحها على حساب جيوب المواطنين، والأمن الطاقي والسيادة الاقتصادية الوطنية، وتملص واضح من المسؤولية السياسية والتشريعية في الحفاظ على المصلحة العامة وصون المقدرات الاستراتيجية للبلاد.
فانطلاقا مما سلف ذكره وغيره كثير، طالبت المركزية النقابية الحكومة بضرورة تحمل مسؤوليتها السياسية والاجتماعية فيما تبقى لها من أسابيع معدودة، والعمل على التعجيل باستئناف الحوار الاجتماعي، على أن يكون حوارا حقيقيا، منتجا وملزما، وأن يفضي إلى اتخاذ إجراءات عملية سريعة وعلى رأسها الزيادة في الأجور والمعاشات، حماية القدرة الشرائية، تنفيذ الالتزامات السابقة واحترام مضمون الاتفاقات الاجتماعية، ضمان الحق في التنظيم والاحتجاج السلمي والإضراب، انسجاما مع المواثيق الدولية، وفي الوقت نفسه تعلن عن رفضها التام لتواصل مسلسل التضييق على الحريات النقابية، الطرد التعسفي من العمل والمتابعات التي تستهدف الممثلين النقابيين…
وليست وحدها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل وغيرها من المركزيات النقابية وأحزاب المعارضة من تنتقد الحكومة وتحملها مسؤولية تدهور الأوضاع، واكتفائها برفع الشعارات البراقة والفارغة، بدل الانكباب الجاد والمسؤول على ابتكار حلول ناجعة وملائمة لمختلف المشاكل المطروحة، بل هناك عديد الخبراء والمراقبون من يوجهون انتقادات لاذعة لسياساتها الفاشلة حيث الأسعار بلغت مستويات غير مسبوقة، أنهكت جيوب المواطنين. وإلا كيف يمكن تفسير سلسلة الزيادات في أسعار المحروقات والمواد الاستهلاكية الأساسية، وعدم قدرتها على التصدي ل”أباطرة” الاحتكار والتلاعب بالأسعار، من أجل تحقيق أرباح خيالية على حساب الفئات الهشة والمتوسطة، تعطيل آليات ضبط السوق دون أي مبرر معقول؟ وهل يعقل أن تصل أسعار اللحوم إلى مستويات قياسية (140 درهما للكيلو غرام الواحد من لحم الغنم) مقارنة ببداية الولاية الحكومية (ما بين 75 و90 درهما)؟
إن حماية كرامة المواطنين سواء كانوا أجراء أو متقاعدين وغيرهم من الفئات الهشة والمتوسطة، وتحسين أوضاعهم الاجتماعية، لا يقوم على ترديد الشعارات البراقة والوعود الكاذبة، ولا على الخطب الاجتماعية التي لا تنعكس على الواقع المعيشي أمام موجة الغلاء الفاحش، وإنما يتطلب إرادة سياسية قوية من أجل مواجهة كافة أشكال الاحتكار والمضاربة، والحد من تلك الممارسات التي ما انفكت تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وضرب القدرة الشرائية في واضحة النهار دون حسيب ولا رقيب…



