في الواجهةكتاب السفير

بَيْنَ النُّورِ وَالمِصْبَاحِ

تَأَمُّلَاتٌ فِي شَرَكِ الذَّاكِرَةِ وَبَكَارَةِ البِدَايَةِ

le patrice

السفير 24 – ذ. عبد الفتاح العقيلي

مقدمة: في كواليس التحولات الإنسانية

حين تهتز البنيات الجماعية المشتركة، وتمر المحاضن الروحية أو المشاريع الفكرية الكبرى بمنعطفات الانقسام والتصدع، لا يتوقف الأمر عند حدود إعادة ترتيب الهياكل أو صراع الشرعيات؛ بل إن الأمر يتجاوز ذلك إلى شرخ خفي يصيب الوجدان الإنساني في الصميم.

في تلك اللحظات الفاصلة، يجد الإنسان نفسه واقفاً بين زمنين ونمطين من الوجود: زمن يسكنه الوفاء للذاكرة بكل ما تحمله من ظلال، وزمن يستشرفه الإمكان بكل ما يملكه من طاقة وبكارة. إن هذه الجدلية ليست مجرد توصيف لحالة فئة دون أخرى، بل هي قانون نفسي وفلسفي عام يحكم علاقة الإنسان بالمعنى، ويكشف كيف يمكن للماضي، في لحظة ما، أن يتحول من منارة تضيء الطريق إلى حجاب يحجب الرؤية.

سيكولوجية “إنسان الذاكرة” وسلطان العهد الأول

بعض الناس لا يغادرون البدايات أبداً، حتى وإن مضت عليها السنون. فأولئك الذين عاصروا عهد الصفاء الأول والوحدة الجامعة، تصبح ذكرياتهم المرجعية التي يقيسون بها كل حاضر، ويستحضرونها كلما اضطربت الأحوال أو تبدلت الوجوه. وبالنسبة إلى “إنسان الذاكرة”، لا يمثل التصدع مجرد حدث تاريخي عابر، بل يراه وعداً مُنْكَسِراً يؤدي إلى شلل القدرة على المسير. فهو يربط معناه بمعالم محددة ارتبطت بالأمس، وهذا الاستثمار العاطفي الطويل يتحول، دون وعي، إلى سياج ذهني يرفض تلقائياً أي واقع جديد لا يطابق الصورة الأصلية التي انطبعت في المخيلة.

يصبح الحاضر عنده محاكماً باستمرار بمقاييس الأمس، مما يولد شعوراً مزمناً بالمرارة، فكأنه يعيش في حاضر مهجور، ملتفتاً دائماً إلى الوراء. وعندما تفرض الأزمة عليه الاختيار بين شرعية شكلية باردة، وبين حقيقة حية تفيض صدقاً وتواضعاً وإن كانت خارج الإطار المألوف، يحدث ذلك الشرخ الحاد في وجدانه؛ صراع مرير بين الوفاء للتاريخ والحق الحي يستنزف طاقته ويقيد حركته.

وهم الذاكرة وبكاء المستقبل المفقود

والأمر الأكثر عمقاً في هذه الحالة هو أن الإنسان لا يتعلق بالماضي لأنه كان أفضل بالضرورة، بل لأنه الماضي الذي عاشه. فالذاكرة لا تحفظ الواقع كما كان، بل تعيد صياغته، وتنقيه، وتصقله، وتحوله تدريجياً إلى صورة مثالية مطلقة. ولهذا فإن إنسان الذاكرة لا يقارن الحاضر بالماضي الحقيقي، وإنما يقارنه بأسطورة الماضي كما أعادت الذاكرة إنتاجها وتجميلها، وهي مقارنة ظالمة للحاضر دوماً، تجعل الرضا بالوضع الجديد أمراً شبه مستحيل.

ولعل أشد ما يكتشفه الإنسان في مثل هذه المنعطفات أن حزنه لا يكون دائماً على ما ضاع، بل على الصورة التي كان يظن أن المستقبل سيؤول إليها. فهو لا يفقد الماضي وحده، بل يفقد أيضاً مستقبلاً كان قد بناه في خياله على امتداد ذلك الماضي. إن القديم لا يبكي الماضي فقط؛ إنه يبكي المستقبل الذي كان ينتظره ولم يتحقق، وهذا ما يفسر غزارة الألم الكامن وراء هذا الانكسار.

إنسان الإمكان: براءة لم تُمتحَن بعد

في المقابل، يبرز نمط آخر يعيش تحت سلطان الإمكان؛ أولئك الذين لم يعاصروا العهد الأول، أو التحقوا بالمشروع بعد وقوع الشرخ. هؤلاء يمثلون الصفحة البيضاء التي لم تخطّ عليها الصدمة سطورها بعد.

يدخل “إنسان الإمكان” إلى الساحة بلا مقارنات ولا بواكي، لا يملك في وعيه أياماً خَوالِيَ يزن بها حاضره، وبالتالي فإن الواقع الذي وجده هو سقفه وميدان حركته، مما يجعله خالياً من العقد ومستعداً للتلقي بفضول ودهشة. إن عدم معايشة الصدمة الأولى يمنحه حصانة ضد الإحباط؛ فهو يتحرك بطاقة إيجابية خام، ويتوجه مباشرة نحو الثمرة، متجاوزاً صراعات التاريخ وكواليس الانقسام التي سبقت قدومه.

غير أن هذه البكارة ليست فضيلة مكتسبة ولا نضجاً موصوفاً، وإنما هي براءة من لم يُمتحَن بعد بالكسر. فإنسان الإمكان اليوم هو إنسان الذاكرة غداً؛ ذلك أن الواقع الذي يبدو له الآن سقفاً مطلقاً وميداناً بِكْراً، سيستحيل بمرور السنين ماضياً يألفه ويودع فيه وجدانه. فإذا داهمته فتنته هو، وتصدع الإطار الذي نشأ فيه، انقلب من فوره إلى صف أهل الذاكرة، وبكى بدوره نوراً ظنه باقياً. فالعجلة دائرة، والبكارة مرحلة لا مقام؛ وما إنسان الإمكان إلا إنسان ذاكرة لم يَحِنْ أوان حزنه بعد.

تفكيك جدلية التعلق والإنصاف الإنساني

من هنا، يتضح أن المسألة لا تتعلق بمفاضلة أخلاقية أو محاكمة للبواطن حول من هو الأكثر إخلاصاً والأعمق نية؛ فالأول يحمل ذاكرة، بينما يحمل الثاني إمكانية.

إن الأزمات الكبرى تكشف فقط عن احتمال أن تكون بعض التعلقات النفسية قد انتقلت تدريجياً، وبفعل التقادم وطول الإلف، من المقاصد والغايات إلى الوسائط والصور. فالإنسان، حين تطول صحبته لإطار معين، قد يشتبه عليه الرابط الروحي بالرابط البنيوي؛ وحين يتصدع الهيكل، يشعر بصدمة ضياع المعنى نفسه، بينما ينجو صاحب البداية الجديدة لأنه يتوجه نحو المقصد مباشرة، إذ ليس لديه سهم قديم يبكي على انكساره.

ومع ذلك، فإن إنصاف التحليل الإنساني يقتضي التأكيد على أن ليس كل حنين دليلاً على تعلق مذموم بالأشكال، كما أن كل حماس جديد ليس دليلاً على صفاء كامل ونضج تام. فالنفوس أعقد من أن تختزل في ثنائية ميكانيكية؛ فقد يحزن الإنسان لأن مشروعاً عظيماً شيدته السنون قد تشقق، أو لأن روابط أخوة وصحبة عمرها عقود قد تمزقت. وهذا الحزن، في جوهر الأمر، دليل على عمق الاستثمار الوجداني ونبل العاطفة، وليس دليلاً على قصور، وإنما المقصود رصد ميل وجداني عام يظهر عند المنعطفات الكبرى في حياة الأفراد والجماعات.

المراجعة الصامتة وجدلية سوء الفهم بين الجيلين

إن التصدع البشري الذي يصيب الهياكل والوسائط يضع المرء في النهاية أمام مراجعة صامتة لعلاقته بما كان يعده ثابتاً ومطلقاً في حياته. مراجعة لا تُعلَن ولا يُفصح عنها، تجري في سريرة الإنسان وحده، يسائل فيها نفسه سؤالاً وجودياً عسيراً: هل كان مسيره مشروطاً بسلامة المركبة واستقرار البيئة وصلاح الأشخاص، أم أن وجهته كانت متعالية عن الأشكال والرجال؟

وفي هذا الامتحان الصامت يتمايز الناس؛ فمنهم من يكتشف أن تعلقه كان بالطريق لا بالغاية، ومنهم من يخرج وقد تحرر معناه من وعائه. وهذا التباين في المواقف بين انكماش أهل الذاكرة وحذرهم، وبين اندفاع أهل الإمكان وحماسهم، كثيراً ما يخلق نوعاً من سوء الفهم المتبادل؛ فقد يرى الأولون في حماس الجدد سطحية تفتقر إلى عمق التجربة، بينما يرى الآخرون في كآبة القدامى عبئاً وثقلاً يعيق تقدم الركب.

لكن الحقيقة أن كلا الحالتين تعبران عن تجليات مختلفة للنفس البشرية في مواجهة التحول، وأن التوازن يكمن في القدرة على تحرير المعنى من وثنية الأشكال، والتحرر من سجن الصورة المثالية للذاكرة. ولكي يستعيد أهل الذاكرة همتهم، عليهم أن يستعيروا شيئاً من عين البدايات التي تنظر إلى الواقع بوصفه إمكاناً متجدداً، مع تلقيحها بحكمة التجربة وعمقها.

خاتمة: في العِتْقِ من سجن المصباح

وربما كان جوهر الأزمة كلها أن الإنسان يخلط، من حيث لا يشعر، بين النور والمصباح. فإذا انكسر المصباح ظن أن النور قد انطفأ، مع أن النور أوسع من أوعيته، وأبقى من حامليه. وما أكثر من وقفوا عند حطام المصابيح باكين، بينما كان النور قد مضى يفتح طريقه في مكان آخر.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى