
السفير 24
ليس من الصعب إطلاق الشعارات، ولا من العسير تقديم حلول تبدو جذابة في ظاهرها، خاصة عندما يتعلق الأمر بملف حساس مثل أسعار المحروقات الذي يمس الحياة اليومية للمغاربة. لكن الأصعب دائما هو تقديم حلول قابلة للتطبيق، عادلة في آثارها، ومستدامة في نتائجها.
في خضم الجدل المتواصل حول هذا الملف، اختار حزب الاستقلال أن يدافع عن موقف قد لا يكون الأكثر شعبوية، لكنه يعتبره الأكثر إنصافا وواقعية. فالحزب لا يعارض خفض أسعار المحروقات، كما يحاول البعض تصويره، بل يرفض أن يتم هذا الخفض على حساب المال العام، أو أن يتحول إلى آلية جديدة لتمويل أرباح الشركات الكبرى من جيوب المواطنين.
لقد كان حزب الاستقلال، منذ تأسيسه، حزبا اجتماعيا يحمل هموم الفئات الوسطى والضعيفة، ويعتبر أن الدولة مطالبة بحماية القدرة الشرائية للمواطنين، غير أن هذه الحماية لا يمكن أن تتحقق عبر حلول ظرفية تستهلك موارد الدولة وتؤجل الأزمة إلى المستقبل.
فاللجوء إلى تسقيف الأسعار يعني، في الواقع، أن الدولة ستتحمل الفرق بين السعر الحقيقي والسعر المحدد للمستهلك. وقد يبدو الأمر مغريا في البداية، إذ سيدفع المواطن سعرا أقل عند اقتناء المحروقات، لكن السؤال الذي يطرحه حزب الاستقلال هو: من أين ستأتي الدولة بالأموال اللازمة لتغطية هذا الفرق؟
الجواب بسيط ومعقد في الوقت نفسه: من المال العام.
أي من الضرائب التي يؤديها المواطنون، ومن الاعتمادات المخصصة للمدرسة العمومية، والمستشفى العمومي، وبرامج الدعم الاجتماعي، والاستثمارات التي يحتاجها الاقتصاد الوطني لخلق فرص الشغل.
وهنا يكمن جوهر الاختلاف. فهل من المنطقي أن تتحمل الدولة مليارات الدراهم لدعم الأسعار، بينما تستمر بعض الشركات في تحقيق هوامش ربح مرتفعة؟ وهل من العدل أن يؤدي المواطن فاتورة الدعم بصفته مستهلكا، ثم يؤديها مرة أخرى بصفته دافع ضرائب؟
إن حزب الاستقلال يعتقد أن أصل المشكلة لا يوجد فقط في ارتفاع الأسعار الدولية، وإنما أيضا في طريقة اشتغال السوق الوطنية للمحروقات. فبعد تحرير القطاع، برزت تساؤلات كثيرة حول مستويات المنافسة، وحول هوامش الأرباح، وحول قدرة آليات السوق وحدها على تحقيق التوازن بين مصالح المستثمرين وحقوق المستهلكين.
ومن هنا جاء دفاع الحزب عن خيار تسقيف الأرباح، باعتباره خيارا أكثر عدالة. فبدل أن تتكفل الدولة بأداء الفارق، يرى الحزب أن على الشركات أن تلتزم بهوامش ربح معقولة، وأن تخضع السوق لرقابة أكثر صرامة، بما يضمن المنافسة الشريفة ويحمي المستهلك من أي ممارسات احتكارية أو مضاربات غير مبررة.
إن تسقيف الأرباح لا يعني معاقبة المستثمرين أو التضييق على القطاع الخاص، بل يعني وضع قواعد واضحة ومتوازنة للسوق، بحيث يحقق المستثمر أرباحا مشروعة، ويحصل المواطن في المقابل على أسعار منصفة، دون أن تضطر الدولة إلى استنزاف مواردها المالية.
وهذه المقاربة تنسجم مع الرؤية الاقتصادية التي يدافع عنها حزب الاستقلال، والتي تقوم على التوازن بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. فالحزب لا يؤمن بالحلول التي تحقق مكاسب آنية على حساب الأجيال المقبلة، ولا بالسياسات التي تبدو شعبية لكنها تخلق اختلالات مالية قد تؤدي في النهاية إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي أو زيادة المديونية.
إن الدفاع عن القدرة الشرائية لا يكون فقط بخفض الأسعار، وإنما أيضا بالحفاظ على توازن المالية العمومية، وتشجيع الاستثمار المنتج، وخلق فرص الشغل، وضمان توزيع عادل للأعباء بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.
ولذلك فإن موقف حزب الاستقلال من ملف المحروقات لا ينبغي أن يقرأ باعتباره رفضا لمطالب المواطنين، بل باعتباره دفاعا عن مقاربة مختلفة، ترى أن حماية المواطن لا تتحقق بإخفاء الكلفة الحقيقية، وإنما بضمان أن يتحمل كل طرف نصيبه العادل من المسؤولية.
ففي النهاية، ليست القضية من يخفض الأسعار أكثر، بل من يقدم حلا يضمن استقرارها وعدالتها واستدامتها. وبين من يريد أن يؤدي المواطن الفاتورة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ومن يريد أن يعيد التوازن إلى السوق ويحاصر الأرباح المفرطة، يختار حزب الاستقلال أن ينحاز إلى ما يعتبره مصلحة المواطن والمال العام في آن واحد.
إنها ليست معركة أرقام فقط، بل معركة اختيارات ورؤى، ومعركة حول أي اقتصاد نريد: اقتصادا يوزع الأعباء بعدالة، أم اقتصادا يربح فيه الأقوياء دائما بينما يؤدي المواطن الكلفة في كل الأحوال.



