في الواجهةكتاب السفير

الوتد المدفون

الوتد المدفون

le patrice

السفير 24- ذ. عبد الفتاح العقيلي 

في مديح ما لا يُرى: الأب وتد البيت، يسند ولا يُذكر

‏كثر الحديث عن الأمّ ودورها في المجتمع، وحقّ لها ذلك؛ فحنانها ظاهر يُرى، ولغة حبّها معلنة تُسمَع. أمّا الأب فظلّ في الظلّ، لا يكاد أحد يسأل عنه، وكأنّ الصمت الذي لزمه في بيته قد لزمه في حديث الناس عنه أيضا. وما ذلك بمصادفة: فالأب من جنس ما يسند ولا يُرى، نسيناه في الكلام كما لا نراه في الصورة. ثمّ، على حين غفلة، يكبر الواحد منّا، ويخرج إلى الدنيا، ويحمل ما حمّله من الأعباء، فيلتفت فجأة فيكتشف أباه. يكتشف أنّ ذلك الرجل الذي خاله طول عمره قاسيا صارما كثير العتب، لم يكن في الحقيقة إلّا الجدار الذي ستره وأسنده وهو غافل.‏

لغة الحبّ الخشنة

‏والأب لا أحد يربّت على كتفه، ولا أحد يسأله: بمَ تشعر؟ تلقي العائلة كلّها همومها ومطالبها على كاهله، وهو يغلق على نفسه باب الليل، يأكل في زاوية صامتة، ويحصي في سرّه كيف يفي بديون الشهر القادم، دون أن يشعر أحدا بانكساره، ودون أن يسقط من علوّه في عيون أبنائه.‏

‏ولا يحسن الأب في مجتمعنا تنميق الكلام؛ قد لا يعرف أن يعانقك ويقول: أحبّك. فلغة حبّه خشنة في ظاهرها، صادقة خارجة من القلب في باطنها. لغة حبّه هي القلق: تلك السِّنة التي طارت من عينه وهو جالس في البهو ينتظر عودتك لا يطمئنّ حتى يراك. ولغة حبّه هي السترة: يكظم من الأذى ما لا يطيقه سواه، ليعود في آخر النهار فيضع في يدك ما يبقي رأسك مرفوعا وعينك قريرة بين أقرانك؛ وهو الذي لبس نعله سنين راضيا ليشتري لك ما اشتهيت.‏

سُنّة الخفاء

وهنا يتجلّى السرّ كلّه. الأب هو الذي يتلقّى عنك صدمات الطريق فيمتصّها في صدره، ويأخذ عنك الرضوض والكسور، لتمضي أنت في الداخل ساكنا مطمئنّا، يخيّل إليك أنّ الطريق مفروشة بالحرير. ولمّا خلق الله سبحانه الأب جعله وتدا؛ والوتد مدفون في الأرض لا يظهر في الصورة، والناس يثنون على جمال الخيمة وزينتها، ولولا ذلك الوتد المدفون لانهارت الخيمة على رؤوس الجميع عند أوّل ريح عاتية.‏

‏وما هذا ببعيد عن سنّة الله في خلقه؛ فقد جعل قوام الأرض فيما لا تبصره العين:‏

‏أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ۝ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا‏
[سورة النبأ: 6 – 7]

‏فأثبت ما في الوجود أخفاه، وما يحمل ليس هو ما يُرى. وعلى هذا المثال جُعل الأب وتد البيت، مغروسا في صمته، به تستقيم الخيمة وإن لم يُذكر.‏

مفارقة الصمت

‏على أنّ في هذا الصمت مفارقة لا ينبغي أن نمرّ بها مرور الغافل. فنحن نكبر وننجح، ويخيّل إلينا أنّا بلغنا ما بلغنا بذكائنا وحده، ولا نلتفت إلى أنّ ثمن هذا النجاح قد دُفع كاملا من صحّة رجل وأعصابه وعمره؛ رجل أفنى نفسه في صمت، يكفيه أن يرانا أرفع منه منزلة. وليس كلّ الآباء كذلك — فمنهم المقصّر والغائب ومَن جرح أبناءه — لكنّ الذي وفى منهم، وفى في صمت يطوي وجعه كي لا يثقل به أحدا.‏

‏وكأنّ الحبّ في جيل آبائنا لم يجد لسانا، فالتمس لنفسه يدا: لم يعلّموا أن يقولوه، فأتقنوا أن يفعلوه؛ صار العناق نفقة، والقبلة سهرا على الباب، وكلمة «أحبّك» نعلا مرقّعا يؤثر به ابنه. وليست العبرة أن نمجّد هذا الصمت فنديم القطيعة بين القلوب، بل أن نكسره من الجهتين: أن نقول لآبائنا ما لم يُقل، وأن نورّث أبناءنا لغة أوسع ممّا ورثنا، يجتمع فيها الفعل والقول، فلا يبقى العطاء أخرس ولا الامتنان مؤجّلا إلى ما بعد الفوات.‏

خاتمة

‏وما من نازلة تنزل بك، أو دنيا تسودّ في وجهك، إلّا وأوّل اسم يطلع في القلب بلا استئذان اسمه؛ مهما علا منصبك أو طال عمرك، يظلّ فيك طفل يلتفت إلى الوراء، حيث الجدار الذي لا يتهدّم. ذلك بابك إلى أوسط الجنان، مفتوح ما دام صاحبه حيّا.‏

‏غير أنّ الأبواب تغلق على غفلة كما تفتح، فالمحروم مَن انتظر حتى يوصد الباب ليتذكّر أنّه كان مفتوحا. وحين تواري الأرض صاحبه، لا يبقى من طرقه إلّا الدعاء؛ وهو طرق لا يردّ، تبلغه دعوة الابن البارّ من وراء التراب، فلا يجد الباب في وجهه موصدا.‏

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى