
السفير 24 – هشام بلحسين
في السياسة لا مكان للأوهام، ولا قيمة للشعارات عندما تصطدم بالواقع. وعندما تفتح باريس أبواب الإليزيه لاستقبال ممثلين عن معسكر خليفة حفتر، فإن الرسالة تتجاوز المجاملات الدبلوماسية والبروتوكول السياسي. إنها رسالة واضحة مفادها أن موازين القوى في ليبيا حُسمت على الأرض قبل أن تُقرأ في التقارير والبيانات.
لسنوات طويلة حاولت أطراف عديدة تسويق فكرة تجاوز حفتر أو القفز على دوره، لكن الوقائع كانت أكثر عناداً من الأمنيات. فكل المبادرات التي تجاهلت الرجل أو حاولت عزله انتهت إلى الفشل، بينما بقي حفتر رقماً ثابتاً في المعادلة الليبية، بل وتحول إلى أحد أبرز مفاتيح الاستقرار في بلد أنهكته الفوضى والانقسامات.
اللقاءات رفيعة المستوى لا تُمنح مجاناً، خصوصاً في عاصمة بحجم باريس. فحين تجلس فرنسا إلى طاولة التشاور مع معسكر حفتر، فهي لا تتعامل مع شخصية عابرة في المشهد الليبي، بل مع قوة سياسية وعسكرية فرضت نفسها على الجميع. والدول الكبرى لا تبني سياساتها على العواطف، بل على موازين القوة والقدرة على التأثير وصناعة الاستقرار.
ولعل هذا الاهتمام المتزايد لا ينفصل عن الدور الذي بات يلعبه خليفة حفتر في المشهد الليبي خلال السنوات الأخيرة. فالرجل أصبح أحد أبرز الفاعلين في ملفات الأمن ومحاربة الجماعات المسلحة وإعادة فرض سلطة الدولة في مناطق واسعة من البلاد. كما أن حضوره في النقاشات الإقليمية والدولية المتعلقة بمستقبل ليبيا يعكس وزناً سياسياً وعسكرياً يصعب تجاوزه أو التقليل من تأثيره.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن خليفة حفتر ليس مجرد طرف من أطراف الأزمة الليبية، بل أحد أعمدتها الرئيسية. فكل المحاولات التي سعت إلى تجاوز دوره أو القفز على حضوره انتهت إلى الفشل، لأن الواقع الميداني والسياسي أثبت أن ليبيا لا يمكن أن تُدار بمعزل عن القوى الفاعلة على الأرض. ولهذا لم يعد الحديث اليوم عن بديل لحفتر، بل عن كيفية توظيف ثقله السياسي والعسكري في خدمة استقرار البلاد.
فالرجل فرض نفسه رقماً ثابتاً في المعادلة الليبية، وأصبح تجاهله أقرب إلى تجاهل الواقع نفسه، وهو ما يفسر حرص العواصم المؤثرة على التواصل معه والتشاور بشأن مستقبل ليبيا. وباختصار شديد: لا بديل عن حفتر في ليبيا، ومن يريد فهم المشهد الليبي عليه أن ينطلق من هذه الحقيقة قبل أي شيء آخر.
أما في شمال إفريقيا، فإن التحولات الجارية تتجاوز حدود ليبيا نفسها. فهناك إعادة رسم للتوازنات الإقليمية وصعود لقوى جديدة واندثار لرهانات قديمة أثبتت فشلها. وفي قلب هذه التحولات يبرز اسم حفتر كأحد أبرز الفاعلين الذين نجحوا في فرض أنفسهم على طاولة القرار الإقليمي والدولي.
ومن هنا يمكن قراءة هذا الانفتاح الفرنسي باعتباره اعترافاً صريحاً بأن من يريد الحديث عن مستقبل ليبيا، عليه أولاً أن يتحدث مع حفتر.



