
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
تأهل المنتخب المغربي إلى الدور القادم بهدوء الواثق، دون صخب إعلامي أو استعراض للأرقام. فعل “الأسود” ما يلزم وزيادة. لكن خلف هذا الهدوء حقيقة تفرض نفسها؛ فالبطولات القارية تبدأ فعليا حين تنتهي المجموعات، وما قبل ثمن النهائي ليس أبدا كما بعده. هنا، تتحول كل تسعين دقيقة إلى “نهائي مصغر” لا يقبل الخطأ.
على الورق، تبدو المواجهة أمام تنزانيا مائلة الكفة لصالح المغرب؛ فالفوارق الفنية واضحة، وعامل الأرض والجمهور يمنح الأفضلية. لكن في إفريقيا، الوضوح الزائد غالبا ما يكون فخا. مواجهة مرشح مثقل بالطموحات أمام خصم يلعب بلا ضغوط، هي بحد ذاتها وصفة لمباراة أكثر تعقيدا مما نتخيل.
وإذا كانت لغة الأرقام ونماذج التوقع (مثل Opta) تضع المغرب في خانة الأوفر حظا للعبور بناء على صلابة الدفاع والقدرة على ضبط الإيقاع، إلا أن الأدوار الإقصائية تظل “صندوقا أسود” لا يمكن التنبؤ به. في هذه المرحلة، لا تختبر جودة الأقدام فحسب، بل تختبر قوة الأعصاب والقوة البدنية.
لذا، يصبح احترام الخصم ضرورة تكتيكية قبل أن يكون التزاما أخلاقيا. فالتاريخ القريب للبطولة يخبرنا أن الكبار سقطوا ليس لأنهم أقل مهارة، بل لأنهم ظنوا أن الفوز مسألة وقت أو اللعب أمام جماهيرهم. التعامل مع تنزانيا بجدية تامة هو المفتاح؛ فالتواضع هنا يعني الانضباط، والقدرة على فرض الإيقاع منذ اللحظة الأولى دون استهانة أو تسرع.
بعد “النية” التي كانت شعارا لوليد الركراكي خلال المونديال القطري، هل حان الآن وقت “الرية” والنفس الطويل. فالأدوار الإقصائية تكسب بالقدرة على الركض حين يثقل الجسد، وبالإصرار حين يطلب العقل الراحة. ربما لن تكون مباراة ثمن النهائي “جميلة” بالمعنى الجمالي، لكنها ستكون “صادقة” وحاسمة. سيظهر خلالها الوجه الحقيقي للأسود على بعد 270 دقيقة من بلوغ حلم طال انتظاره منذ نصف قرن.
في مباراة الأحد لن يكون الركراكي مطالبا بأن تكون تشكيلته أكثر موهبة مما هي عليه الآن، بل يحتاج أن يكون أكثر وعيا بثقل المسؤولية. فالفوز على تنزانيا لا يتطلب فقط “النية” ولا ملحمة بطولية، بل يتطلب قراءة ذكية لخصم سيسعى لإغلاق كل المنافذ. في البطولات الكبرى، لا يغادر المرشح لأنه ضعيف، بل لأنه نسي أن كل مباراة إقصائية هي نهائي مزيف يلعب بـ”الرية” والقدرة على مجاراة المباراة ذهنيا وبتوزيع ذكي للمجهود البدني.



