في الواجهة

إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة.. رهان الاستقرار المهني وتكريس التنظيم الذاتي

إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة.. رهان الاستقرار المهني وتكريس التنظيم الذاتي

le patrice

السفير 24

تُعد مصادقة مجلس المستشارين على مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة محطة مفصلية في مسار تقنين المهنة وتعزيز آليات التنظيم الذاتي بالمغرب. فبعيدًا عن القراءات المتشنجة أو المتوجسة، يندرج هذا النص القانوني ضمن رؤية تروم إرساء إطار مؤسساتي أكثر وضوحًا واستقرارًا، قادر على التفاعل مع التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الصحافة والإعلام.

وفي هذا السياق، جاءت تركيبة المجلس الوطني للصحافة في صيغة متوازنة تراعي مبدأ التمثيلية وتنوع الفاعلين، إذ يتكون المجلس من تسعة عشر عضوًا موزعين على ثلاث فئات، بما يضمن حضور الصحافيين المهنيين والناشرين، مع مراعاة عنصر الكفاءة والخبرة.

ويعكس تمثيل الصحافيين بسبعة أعضاء منتخبين من قبل الهيئة الناخبة، من ضمنهم ثلاث صحافيات مهنيات على الأقل، توجهًا واضحًا نحو تكريس آلية الانتخاب وتعزيز حضور المرأة داخل مؤسسات التنظيم الذاتي، وهو تطور إيجابي في مهنة لا تزال تعاني من اختلالات على مستوى التوازن الجندري.

ومن جهة أخرى، فإن تمثيلية الناشرين داخل المجلس، سواء عبر المنظمات المهنية أو من خلال فئة “الناشرين الحكماء”، لا يمكن اختزالها في منطق الهيمنة، بل تندرج في إطار الاعتراف بالدور البنيوي الذي تضطلع به المقاولات الصحافية في ضمان استمرارية العمل الإعلامي وتوازنه الاقتصادي. فالتنظيم الذاتي، في جوهره، يقتضي إشراك مختلف الفاعلين الحقيقيين في الحقل الإعلامي، بما يحقق معادلة دقيقة بين حرية الصحافة ومتطلبات الاستدامة المؤسسية.

وفي السياق ذاته، لا يُعد اعتماد آلية الانتداب في بعض الحالات مساسًا باستقلالية المجلس، بقدر ما يشكل خيارًا يهدف إلى الاستفادة من الخبرات والكفاءات المتراكمة التي قد لا تفرزها بالضرورة الآليات الانتخابية البحتة. فالتحدي المطروح اليوم لا يرتبط بالتمثيل العددي فقط، وإنما بحكامة مهنية قادرة على اتخاذ قرارات متوازنة، بعيدة عن منطق الصراع أو الإقصاء.

وعليه، فإن جوهر هذا القانون لا يكمن في تقييد حرية الصحافة أو إخضاع الجسم المهني لمنطق التحكم، بل في وضع إطار قانوني واضح ينهي مرحلة من الارتباك والفراغ المؤسساتي، ويمنح المجلس الوطني للصحافة مشروعية قانونية متجددة. ومن شأن ذلك تعزيز موقعه كفاعل مستقل في حماية أخلاقيات المهنة، وتسوية النزاعات، والدفاع عن صورة الصحافة المغربية.

صحيح أن أي نص تشريعي يظل بطبيعته قابلاً للنقاش والتطوير، غير أن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن هذا القانون يمثل خطوة متقدمة لا تراجعًا. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في النص في حد ذاته، بل في كيفية تنزيله، وفي مدى استعداد الفاعلين داخل المجلس لتحويله إلى إطار للحوار المهني المسؤول وخدمة حرية الصحافة وجودتها.

وبناءً على ذلك، فإن مصادقة البرلمان على هذا القانون تفتح صفحة جديدة في مسار تنظيم المهنة، عنوانها الوضوح والاستقرار، وتشكل فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة داخل القطاع، بما يخدم الصحافيين والمؤسسات الإعلامية والمجتمع ككل.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى