في الواجهةكتاب السفير

إعلان استقلال دولة القبائل بباريس: شعارات نظام المرادية تعود بالبريد المستعجل 

إعلان استقلال دولة القبائل بباريس: شعارات نظام المرادية تعود بالبريد المستعجل 

le patrice

السفير 24 – جمال اشبابي – باريس

لم يكن إعلان “استقلال دولة القبائل” زلزالا سياسيا بقدر ما كان ارتدادا أرضيا لخطاب اعتقد أصحابه طويلا أنه لا يعود إلى نقطة الانطلاق. بيان يتلى من باريس لا يصنع دولة، لكنه يكفي أحيانا ليكشف هشاشة دولة تخاف من فكرة أكثر مما تخاف من واقع.
في فندق بالعاصمة الفرنسية، وبعد أن قررت سلطات إيفلين أن فرساي ليست المكان الأنسب لميلاد دولة جديدة، وجد فرحات مهني قاعة بديلة ليعلن منها “الجمهورية الفيدرالية للقبائل”. الإعلان جاء بكل أناقة المنفى: سيادة بلا أرض، نشيد بلا اعتراف، وخريطة لا تغضب الأمم المتحدة لأنها ببساطة غير موجودة. ومع ذلك، نجح الحدث في شيء واحد على الأقل: إرباك السلطة الجزائرية، ودفعها إلى الرد بسرعة… وبالطريقة نفسها دائما.
الرد لم يكن سياسيا، بل بصريا. في مدن وقرى القبائل، انتشرت الرايات الجزائرية في الفضاءات العمومية، كما لو أن الوطنية تحتاج إلى تذكير دوري، أو أن الانتماء للوطن لا بد أن يقاس بعدد الأمتار من القماش المعلق. هكذا تحول العلم، الذي يفترض أن يكون رمزا جامعا، إلى لافتة طمأنة للسلطة أكثر مما هو تعبير عن قناعة شعبية. حين تدار الوحدة الوطنية بالمسمار والمطرقة، فذلك يعني أن الطلاء السياسي لم يعد كافيا.
غير أن المفاجأة الحقيقية ليست في بيان باريس ولا في أعمدة الرايات المفروضة، بل في الذاكرة. فالقبائل ليست منطقة طارئة على الخريطة الجزائرية، بل جرحا قديما أُعيد فتحه مرات عدة. منذ الربيع الأمازيغي عام 1980، مرورا بأحداث 2001، تتكرر القصة نفسها: مطالب ثقافية تتحول إلى ملفات أمنية، واحتجاجات اجتماعية كيفت كتهديد وجودي، واعترافات رسمية تأتي دائما بعد أن تفقد قيمتها. في هذا السياق، لا يعود الانفصال فكرة سياسية بقدر ما يصبح وسيلة صراخ.
لكن الذروة في هذا المشهد تكمن في مكان آخر. لسنوات، شيدت السياسة الخارجية للجزائر كاملة على فكرة أن تقسيم بلد جار عمل نبيل، وأن دعم انفصال الصحراء يدخل في باب “الدفاع عن الشعوب في تقرير مصيرها”. فجأة، يصل الخطاب نفسه إلى الداخل، بنفس المفردات، وبنفس القاموس الأممي. ليس لأن القبائل استنسخت التجربة، بل لأن اللغة حين تستخدم بلا حذر، تفقد قدرتها على اختيار العناوين.
هنا، يظهر المغرب في الصورة… لا فاعلا، بل شاهدا. البلد الذي طالما وضع في قفص الاتهام الجاهز، اختار هذه المرة مقعد المتفرج الهادئ. لا دعم لانفصال، ولا بيانات انتصار، ولا استثمار في تصدع جار. موقف يبدو مملا في زمن الضجيج، لكنه شديد الدلالة: من لا يشك في وحدته، لا يحتاج إلى تقسيم الآخرين ليطمئن.
الأكيد، أن إعلان “دولة القبائل” لا يهدد الجزائر بالمعنى الجغرافي، لكنه يربكها سياسيا ورمزيا. فهو يذكرها بأن الشعارات التي تصدرها قد تعود يوما بالبريد المستعجل، وأن الوطنية التي لا تناقش تتحول إلى موضوع نقاش قاس. فالدول لا تتفكك حين تعلن الاستقلالات، بل حين تصر على التعامل مع الاختلاف كخطأ مطبعي.
والقبائل، في هذه القصة، ليست دولة ذات سيادة بعد ولا مؤامرة خارجية، بل مرآة. والمشكلة في المرايا ليست أنها تكذب، بل أنها تظهر ما يفضل قادة المرادية تجاهله.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى