في الواجهةكتاب السفير

الجزائر والملاكمة الدبلوماسية: جولة خاسرة في باريس وضربة قاضية في نيويورك 

الجزائر والملاكمة الدبلوماسية: جولة خاسرة في باريس وضربة قاضية في نيويورك 

السفير 24 – جمال اشبابي- باريس

في السياسة، كما في الملاكمة، لا يكفي أن ترفع ذراعيك بعد كل جولة لتقنع العالم بانتصارك. الجزائر اليوم تبدو كمن فقد توازنه في الحلبة، تتلوى بين خطاب “السيادة” في الداخل، واستجداء الاعتراف في الخارج، وبينهما دبلوماسية تائهة لا تعرف إن كانت تدافع عن نفسها أم تتصارع مع ظلالها.
اتفاق 1968 بين فرنسا والجزائر كان أحد آخر الخيوط التي ربطت البلدين بعد حرب الاستقلال. فقد منح بموجبه الجزائريون المقيمون في فرنسا امتيازات خاصة في الإقامة والعمل والتنقل، ميزت الجالية الجزائرية عن باقي المهاجرين. لكنه، مع مرور الزمن، أصبح رمزا لعلاقة غير متكافئة أكثر منه لتعاون متوازن. واليوم، بعد أن صوتت الجمعية الوطنية الفرنسية لصالح إدانة هذا الاتفاق، تجد الجزائر نفسها أمام مرآة تذكرها بأنها لم تنجح في تحويل “الاستقلال السياسي” إلى استقلال فعلي في العلاقات والمصالح.
بعد ستة عقود على توقيع الاتفاق، تحول النص إلى شاهد على هشاشة العلاقة بين بلدين لم ينجحا بعد في تجاوز جراح الماضي. فحين يندد البرلمان الفرنسي بالاتفاق، فإن الأمر لا يقتصر على موقف قانوني، بل يعكس تحولا في المزاج السياسي الفرنسي تجاه الجزائر، التي ما زالت تتعامل مع باريس بعقلية “الدين التاريخي” أكثر مما تتعامل بمنطق الشراكة المتبادلة.
الجزائر التي لم تتردد يوما في اتهام فرنسا بكل خطاياها الاستعمارية، تجد نفسها اليوم تتوسل “تفهما” دبلوماسيا كلما انكشفت عورات سياستها. والمفارقة أن هذه الأزمة الجديدة مع باريس تنفجر في لحظة دقيقة، بينما مجلس الأمن يستعد للتصويت على المقترح المغربي القاضي بالحكم الذاتي في الصحراء، وهو مشروع يحظى بدعم متزايد يقابله ارتباك جزائري واضح.
ولعل العيب الأكبر لقادة الجزائر أنهم لا يحسنون قراءة الخطابات السياسية وتلقي الإشارات. ففي زيارته الأخيرة إلى المغرب، تحدث الرئيس إيمانويل ماكرون بنبرة غير مألوفة، حين وصف المملكة بـ«الدولة ذات الوزن الإقليمي الكبير، التي تجمع بين الاستقرار والرؤية الاستراتيجية». تصريح يعكس إدراكا فرنسيا متزايدا لثقل المغرب في المنطقة، في وقت تبدو فيه الجزائر غارقة في دوامة الخطاب الانفعالي والقرارات المتناقضة. فبينما يرسخ المغرب موقعه كشريك موثوق لباريس وبروكسيل وواشنطن، تكتفي الجزائر بالتنديد وتحصين الذات عبر شعارات بالية.
ما يضاعف سخرية المشهد أن الجزائر، التي ترفع شعار “حق الشعوب في تقرير المصير”، تبدو عاجزة عن تقرير مصيرها الدبلوماسي. في نيويورك، يتحدث ممثلوها بعبارات خشبية مكرورة، فيما المواقف الدولية تميل بثبات نحو المقاربة المغربية الواقعية.
حتى في رموزها الرياضية، تحاول الجزائر إقحام السياسة حيث لا يجب أن تكون. الملاكمة إيمان خليف، التي زارت مؤخرا مسجد باريس الكبير وتلقت وساما تكريميا من عميده شمس الدين حفيظ، تحولت فجأة إلى “رمز وطني”، في محاولة يائسة لتجميل صورة دبلوماسية متصدعة. وكأن زيارة رياضية إلى مرفق ديني، -يفترض أن يكون في حياد تام، وملكية لكل المسلمين-، من شأنها أن تغطي فشل بلد في إدارة أبسط ملفاته الخارجية.
الجزائر اليوم تراهن على الرموز بدل السياسات، على الشعارات بدل المواقف، وعلى التاريخ بدل المستقبل. فحين تعلق كل أزماتها على إرث استعماري عمره أكثر من نصف قرن، فإنها تدين نفسها بالعجز. أما فرنسا، التي صبرت طويلا على “ابتزاز الذاكرة”، فقد بدأت تتعامل ببراغماتية باردة: لا امتيازات مجانية بعد اليوم، ولا حصانة دبلوماسية لمن يعيش على حساب الماضي.
اليوم، وبينما يستعد مجلس الأمن لتكريس المقاربة المغربية الواقعية في الصحراء، تبقى الجزائر غارقة في “دبلوماسية الحنين”؛ تلوح بشعارات التحرر، وتستيقظ على واقع العزلة. فحتى في زمن الملاكمة، لا يمكن لمن يتقن الضرب في الهواء أن ينتصر على خصم يعرف أين يضع قبضته للضربة القاضية.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى