في الواجهةكتاب السفير

سابقة قضائية تدشن للعقوبات البديلة بالمغرب: 18 ألف درهم بدلا من شهرين سجن نافذ لبائع خمور

سابقة قضائية تدشن للعقوبات البديلة بالمغرب: 18 ألف درهم بدلا من شهرين سجن نافذ لبائع خمور

le patrice

السفير 24 -جمال اشبابي

شهدت المحكمة الابتدائية بأكادير، يوم الجمعة 22 غشت، تطبيقا قضائيا غير مسبوق، حيث أصدرت أول حكم بعقوبة بديلة في تاريخها. يأتي هذا الحكم بعد دخول قانون العقوبات البديلة حيز التنفيذ رسميا في نفس اليوم، ليمثل نقلة نوعية في الممارسة القضائية بالمغرب.
ففي ملف جنحي تلبسي يتعلق بالاتجار في الخمور، قضت المحكمة على المتهم بغرامة يومية قدرها 300 درهم عن كل يوم حبس، لتستبدل بذلك عقوبة حبسية نافذة لمدة شهرين، بالإضافة إلى غرامة مالية قدرها 500 درهم. وبهذا، يكون المتهم قد اختار دفع مبلغ إجمالي قدره 18,000 درهم لتجنب قضاء شهرين خلف القضبان.
هذا الحكم هو مثال عملي على التوجه الجديد للمنظومة العدلية المغربية، الذي يوازن بين العدالة العقابية والعدالة الإصلاحية.
وفي هذا السياق، دخل المغرب مرحلة جديدة في إصلاح منظومته العدلية مع صدور دليل قانون العقوبات البديلة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية – قطب القضاء الجنائي. هذا المؤلف، الذي يأتي كمرجع استرشادي لفائدة القضاة والنيابة العامة، يعكس الإرادة في إرساء عدالة جنائية أكثر إنصافا وإنسانية، حيث يوازن بين الردع والعقاب من جهة، والإصلاح والإدماج من جهة أخرى.
المرجعية الملكية: من خطاب سامي إلى إصلاح مؤسساتي
يستند الدليل إلى التوجيهات الملكية الواضحة، لاسيما مقتطف خطاب جلالة الملك محمد السادس يوم 20 غشت 2009، الذي دعا فيه إلى “اعتماد سياسة جنائية بديلة تقوم على تفعيل الوساطة والتحكيم والصلح، وإيجاد بدائل للعقوبات السالبة للحرية”. هذه الدعوة الملكية لم تبق حبيسة الخطاب، بل تحولت إلى أرضية تشريعية متجسدة في القانون رقم 43.22، ثم إلى دليل عملي يرسم معالم التطبيق القضائي.
العقوبات البديلة: أصناف وإجراءات
يفصل الدليل في العقوبات البديلة التي اعتمدها القانون الجديد، والتي تتمثل أساسا في العمل لأجل المنفعة العامة، والمراقبة الإلكترونية، وتقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير تأهيلية، إضافة إلى نظام الغرامة اليومية. فالعمل لأجل المنفعة العامة يتيح تكليف المحكوم عليه بإنجاز مهام لفائدة مؤسسة عامة أو جمعية معترف بها، بما يحفظ كرامته ويسهم في خدمة المجتمع. أما المراقبة الإلكترونية، فهي وسيلة لتقييد حرية التنقل عبر وضع سوار إلكتروني، مع الإبقاء على المحكوم في محيطه الاجتماعي والمهني. وتسمح العقوبات البديلة أيضا بتقييد بعض الحقوق، مثل المنع من ممارسة نشاط معين أو إخضاع المعني لبرامج علاجية أو تأهيلية. في حين يمنح نظام الغرامة اليومية للقاضي إمكانية استبدال العقوبة السجنية بمبلغ مالي محدد عن كل يوم حبس، ضمن سقف قانوني واضح.
وينص الدليل بوضوح على أن “العقوبات البديلة لا تطبق إلا في بعض الجنح، ولا مجال لها في الجنايات أو المخالفات البسيطة”. كما يوضح الإجراءات الدقيقة من لحظة اقتراح النيابة العامة، مرورا بمداولة المحكمة، وصولا إلى تنفيذ العقوبة ومراقبتها من قبل قاضي تطبيق العقوبات.
حالات عملية من المحاكم المغربية
لإضفاء بعد تطبيقي، تضمن الدليل نماذج قضائية واقعية. من بينها حالة محكوم عليه من أجل جنحة السرقة البسيطة، حيث فضلت المحكمة الحكم بـ العمل لأجل المنفعة العامة لمدة 200 ساعة عوض ثلاثة أشهر حبسا نافذا. وفي حالة أخرى، قضت المحكمة بـ المراقبة الإلكترونية لمدة ثمانية أشهر في حق شخص متابع من أجل جنحة إصدار شيك بدون رصيد، مراعاة لظروفه الأسرية والمهنية.
وتبرز هذه الأمثلة أن الغاية ليست التساهل مع الجناة، بل جعل العقوبة أكثر فاعلية في ردع السلوك المنحرف، مع الحفاظ على الروابط الاجتماعية والأسرية.
رهانات القانون الجديد
يشكل القانون رقم 43.22 قفزة نوعية نحو عدالة أكثر إنسانية وفعالية، إذ يسعى بالأساس إلى التخفيف من الاكتظاظ السجني، الذي ظل واحدا من أبرز التحديات أمام المنظومة العقابية المغربية. كما يهدف إلى تعزيز فرص إعادة الإدماج من خلال إبقاء المحكوم في وسطه الاجتماعي والمهني، بدل عزله خلف القضبان. وإلى جانب ذلك، يكرس القانون مبدأ التناسبية بين خطورة الفعل الإجرامي والعقوبة المفروضة، حتى لا يسجن أشخاص في قضايا بسيطة بنفس معايير الجرائم الخطيرة. كما يرمي في النهاية إلى تقوية ثقة المواطن في العدالة، عبر إظهارها كأداة للإصلاح والتقويم، لا كآلية محضة للعقاب. وقد جاء في الدليل بعبارة دقيقة أن “العقوبات البديلة تشكل استجابة لحاجيات المجتمع، ووسيلة لحماية المجتمع دون المساس غير المبرر بالحرية الفردية”.
المراقبة والتنفيذ: ضمانات نجاح القانون الجديد
لم يغفل الدليل جانب المراقبة، حيث حمل قاضي تطبيق العقوبات مسؤولية كبرى في تتبع تنفيذ البدائل. وفي حالة الإخلال بالالتزام، يتم الرجوع إلى العقوبة الأصلية، كما ورد في النص: “إذا توقف المحكوم عليه عن تنفيذ العمل للمنفعة العامة دون مبرر مقبول، يتم إرجاع الملف إلى المحكمة قصد تفعيل العقوبة السجنية المحكوم بها”.
ويشكل إصدار دليل قانون العقوبات البديلة خطوة عملية لترجمة الإرادة التشريعية إلى ممارسة قضائية موحدة وفعالة. فبين النصوص النظرية والأمثلة التطبيقية، يضع هذا الدليل بين أيدي الفاعلين القضائيين بوصلة واضحة نحو عدالة إصلاحية، أكثر إنسانية، وأقرب إلى المواطن.
وإذا كان المغرب قد خطى بهذه الخطوة نحو التحديث، فإن الرهان الأكبر يظل في التطبيق الرصين والموحد لهذه الآلية الجديدة، بما يضمن تحقيق العدالة وصون كرامة الإنسان.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى