
السفير 24 – جمال اشبابي/ باريس
مع أول خطوة تطأ فيها قدماك كورنيش السعيدية، يخطفك البحر بلونه الأزرق الفيروزي، وتمتد الرمال الناعمة أمامك مثل بساط مذهب. تشعر لوهلة أنك في واحدة من أجمل مدن البحر الأبيض المتوسط… لكن سرعان ما يتبدد هذا الانطباع.
هذا الروبورتاج أُنجز في شتنبر الماضي، خلال عشرة أيام من المعاينة اليومية لكورنيش السعيدية والمناطق المحيطة به، حيث رصدنا الواقع كما هو، بعيدا عن الصور الترويجية والكلام الرسمي.
وقفنا الصيف الماضي أمام مراحيض عمومية في قلب منطقة مارينا الشرقية، وجهة النخبة والمستثمرين… الباب متهالك، الرائحة نفاذة، ولا أثر للماء أو ورق المرحاض. “هذه المراحيض لم يتم تنظيفها منذ أشهر، وحتى الورق الصحي لم نعد نراه منذ الصيف الماضي”، يشتكي أحد العمال وهو يهز رأسه بأسف.
وفي قلب الشاطئ الرئيسي وسط المدينة، عاينا مراحيض للزوار، يتكرر فيها المشهد مع إضافة عنصر أخطر: أسلاك كهربائية مكشوفة تتشابك عشوائيا مع أنابيب مياه، في غياب تام لشروط السلامة. يكفي أن تلمس سلكا مبللا لتحدث كارثة، في هذه المرافق المرتجلة.
واليوم، بعد مرور عام على هذه المشاهد… ترى، هل تغيّر شيء؟ هل جفت تلك الروائح، واختفت الأسلاك المكشوفة، وسدت ثقوب الإهمال؟ أم أن المدينة ما زالت تكتفي بالتجمل في الصيف، وتترك جسدها ينزف خلف الواجهة، كمن يضع الزينة فوق الخراب؟
تعج السعيدية في موسم الصيف، بالزوار من كافة المناطق خاصة من وجدة، بركان والناظور، وأوروبا… لكنها، في منتصف أكتوبر، تغلق الفنادق أبوابها واحدا تلو الآخر. صمت ثقيل يخيم على المدينة. “نعيش على موسم واحد فقط”، يقول أحمد، سائق سيارة أجرة، مضيفا: “بعد الصيف، نصبح عاطلين وننتظر العام المقبل… المدينة تموت فعلا لثمانية أشهر”.
في جولتنا على طول الكورنيش، سألنا عائلة قدمت من مدينة بوسط المغرب عن رأيها في الأسعار. أجابت الأم، بمرارة: “شقة صغيرة بغرفتين بثمن 1300 درهم لليلة؟! المطاعم تعرض علينا وجبات باهظة بلا جودة، وكل شيء أغلى بثلاث مرات من مدن أخرى”.
المفارقة الصادمة أن هذا الغلاء لا يقابله تحسن في الخدمات. حتى سلة المهملات أقرب إلى نصب مهمل منها إلى أداة نظافة. بعض المطاعم، رغم أسعارها الباريسية، تقدم وجبات باردة دون احترافية.
بينما نحاول تصوير المارينا، يمر أمامنا طفل صغير يمد يده طالبا دريهمات. بعده مباشرة، سيدة في عقدها الرابع تعرض مناديل ورقية متحدثة بلكنة شمالية. أمام المقاهي، المشهد يتكرر. “أصبح التسول مهنة موسمية هنا”، يعلق أحد الساكنة المحليين، مشيرا إلى غياب أي تنظيم أو تدخل اجتماعي واضح.
هنا، حيث استثمرت الدولة أكثر من مليارات الدراهم، يتساءل الجميع: كيف يعقل أن لا تتوفّر مراحيض عمومية صالحة؟ ولماذا لا نرى إلا الواجهة الجميلة، بينما الداخل يعاني من الإهمال؟
في موسم الصيف فقط، تسجل المدينة 70% من مداخيلها السياحية السنوية، حسب تقارير رسمية. لكن بعد شهر شتنبر، تتراجع الحركة الاقتصادية بنسبة تقارب 80%، ويغيب الزوار وحتى سكان المدينة يفرون بحثا عن فرص عمل موسمية في مدن أخرى.
أمام إحدى البنايات الفارغة، يقف محمد، شاب عاطل يحمل دبلوم سياحة. يقول: “قريت فالمجال وخدمت شهرين فقط. الباقي بطالة. مدينة فيها شمس 300 يوم فالسنة، وشاطئ من أجمل الشواطئ، وما فيها لا مهرجانات لا سياحة مستدامة… بزاف عليها تكون جوهرة”.
السعيدية مدينة جميلة، نعم. لكنها تشبه العروس التي ترتدي فستانا براقا لإخفاء جراحها. السياحة لا تبنى على الصيف وحده، بل على رؤية. والسعيدية، بكل ما تملك من مؤهلات، تستحق أكثر من موسم قصير… إنها تحتاج من يعيد لها الحياة على مدار السنة.



