
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
في شوارع بروكسل وصخب ضواحيها، يسير مغاربة بلجيكا بين مفترقين: الانتماء والاغتراب. خلف الأسماء “الورقية” ومظاهر الاندماج، تكمن قصص نفسية لم ترو بعد. هذا التحقيق يكشف بؤر القلق، وآثار الصدمات، ويسلط الضوء على ما لا يرى من هشاشة نفسية بين أفراد الجالية. إنها أزمة خفية تتجاوز مظاهر الاندماج، وتضع بلجيكا أمام تحد في فهم الصحة النفسية للمهاجرين المغاربة، حيث يصبح التمييز هاجسا خفيا يؤثر على صحتهم.
رغم أن الجالية المغربية تمثل إحدى أقدم وأكثر الجاليات استقرارا في بلجيكا – إذ يقدر عدد المغاربة فيها بنحو نصف مليون تقريبا حسب أرقام الإحصاء الرسمي لسنة 2022 – إلا أن الواقع النفسي الذي يعيشه كثير من أفرادها يعكس تعقيدات أكبر بكثير من مجرد «الاندماج الاجتماعي». فبحسب دراسة نشرت في شهر نونبر 2023 ضمن مجلة Archives of Public Health، يعاني المغاربة المقيمون في بلجيكا، إلى جانب أفراد من أصول تركية، من معدلات مرتفعة من الاضطرابات النفسية، لا سيما القلق والاكتئاب، مقارنة بالسكان البلجيكيين الأصليين. وتظهر الدراسة أن هذه الفجوات في الصحة النفسية قد تفاقمت بوضوح منذ عام 2013.
ما الذي حدث بعد 2013؟
شهدت السنوات التي أعقبت 2013 تحولات اجتماعية وسياسية عميقة أثرت على الإدراك العام للمهاجرين وأبنائهم، وخاصة المسلمين منهم. فبعد الهجمات الإرهابية التي عرفتها أوروبا، ومنها أحداث باريس وبروكسل، ارتفعت وتيرة الحذر والارتياب السياسي تجاه المهاجرين، ما أدى إلى ممارسات اجتماعية صامتة من التهميش والتمييز. في هذا السياق، أصبح شباب الجيل الثاني من المغاربة ينظر إليهم باعتبارهم “الآخرين” رغم أنهم ولدوا في بلجيكا ويحملون جنسيتها.
من جهة أخرى، ساهمت البيروقراطية الثقيلة وتعقيدات في ملفات ومساطر التسوية القانونية في تعميق التوتر النفسي لدى المهاجرين الجدد. فالانتظار الطويل، والعيش في بيئة غير لائقة أو في مراكز استقبال مؤقتة، يضعان الأفراد في حالة من التعليق الوجودي، ما يفاقم الشعور بعدم الأمان ويؤثر سلبا على توازنهم النفسي، وفق ما ورد في تقرير InfoMigrants لسنة 2023، وهو موقع إخباري ومعلوماتي مخصص للمهاجرين.
تسوية الوضعية القانونية: طريق طويل دون نهاية واضحة
أظهرت تقارير من Conseil Supérieur de la Santé وInfoMigrants، (المجلس الأعلى للصحة: وهو هيئة استشارية علمية مستقلة في بلجيكا تابعة للخدمة العامة الفيدرالية للصحة العامة)، أن طالبي الإقامة – بمن فيهم المغاربة – يعانون من ضغط نفسي حاد بسبب تأخر البت في ملفاتهم، شروط السكن المؤقت وقلة المعلومات الواضحة. إلى جانب ذلك، تشير تقارير أطباء بلا حدود إلى حالات اكتئاب واضطرابات قلق حاد، وظهور أعراض ما قبل الصدمة، وتراجع القدرة على بناء مشروع حياة مستقرة. العيش في “الانتظار اللانهائي” يصبح جريمة وجودية.
وفي الجانب الآخر من الأزمة، تبلغ طموحات الشباب المغربي المولود في بلجيكا سقفا أعلى، بحكم تكوينه الأكاديمي وإتقانه للغات، لكنه يصطدم بتفاوت في الفرص وشعور مستمر بوجود «سقف زجاجي» غير مرئي. هذا التفاوت بين التطلعات والواقع يولد صدمة نفسية خفية تتغذى من التمييز غير المباشر وتترجم إلى أعراض الاكتئاب، الانطواء، وفقدان الثقة في المؤسسات.
في ذات السياق، كشفت تقارير مؤسسة Fondation Roi Baudouin، وهي هيئة بلجيكية مستقلة وذات منفعة عامة، في دراسة أجريتها مؤخرا على شباب من أصول مغربية – خاصة الذين ولدوا في بلجيكا – كشفت، ما يسمى بـ«الهوية التفاعلية»، حيث أدى ارتفاع مستويات التعليم والتطلع إلى المساواة إلى مواجهة مريرة مع التمييز. هؤلاء الشباب يظهرون معدلات أعلى من الإحساس بالاختلاف، والتركيز على العدالة التي لا تطبق عليهم. إذ أن الضغط النفسي ينبع من مقارنة يومية مع السكان الأصليين، وهو ما يسهم في شعور متزايد بالعزلة والاحتقان الداخلي رغم الإلمام الكامل بقيم الديمقراطية.
تحامل غير واع في الاستجابة الطبية
في دراسة ميدانية أعدها باحثون من جامعتي UCLouvain وUGent ونشرت في أبريل 2023، عرضت على أطباء عامين في بلجيكا حالات متطابقة لأشخاص يعانون من أعراض اكتئاب، لكن تم تقديم أحد المرضى على أنه من أصل مغربي. أظهرت النتائج أن التشخيص الممنوح لهذا المريض كان أقل جدية، والعلاج المقترح كان أكثر سطحية من نظيره “البلجيكي”، رغم تطابق الأعراض والسياق الاجتماعي. ما يكشف عن تمييز غير واع يمارسه بعض الأطباء، متأثرين بصورة نمطية متجذرة في الثقافة الطبية التقليدية.
بين النظام الثقافي والخدمات الصحية: فجوة العلاج
هذا التباين الثقافي يؤثر أيضا على علاج الأمراض النفسية. أظهر بحث لجامعة Vrije Universiteit Brussel (VUB) ضمن مشروع MentalHealth4All أن المهاجرين غالبا يواجهون صعوبات في التشخيص. الأمراض النفسية توصَف أحيانا كـ«حجر ساخن في الرأس»، بينما يتعامل الأطباء مع الشكليات فقط، مما يخلق فجوة ثقافية وعملية تؤثر على جودة العلاج.
هذا ما دفع منظمة MentalHealth4All، وهو مشروع أوروبي لدعم الصحة النفسية للمهاجرين واللاجئين، إلى الدعوة لتدريب الطاقم الصحي على “الحساسية الثقافية” لتجنب إسقاط الأحكام المسبقة على المرضى من خلفيات مهاجرة.
اختلالات في المنظومة الصحية
تشير بيانات Sciensano لسنة 2023، وهو المعهد الفيدرالي البلجيكي للبحوث في مجال الصحة العامة، إلى أن نسبة الاكتئاب والقلق لدى عموم البلجيكيين تتراوح بين 18% و21%، لكنها تتضاعف في صفوف المهاجرين، وخاصة من أصول مغربية وتركية. كما بينت دراسة موازية أجراها مركز الطب النفسي الطارئ في بروكسل، أن أبناء الجيل الثاني من المغاربة يمثلون نسبة أعلى من المقبولين في حالات الذهان الحاد، مقارنة بأبناء السكان الأصليين، رغم تشابه العوامل البيئية. ويرتبط ذلك في جزء كبير منه بمزيج من الإقصاء المجتمعي، التشتت الهوياتي، وضغوط العائلة والثقافة الأم.
في شهادة وردت في دراسة منشورة بمجلة International Journal of Social Psychiatry، المتخصصة في الطب النفسي والاجتماعي، أشار شاب مغربي مهاجر إلى أن تجربته مع العلاج النفسي في أحد مراكز بروكسل كانت «بلا فائدة»، لأن الطبيب لم يكن يفهم سياقه الثقافي ولم يتعامل مع مشاكله على أنها انعكاس لمزيج من الضغوط، بل كأعراض نمطية.
توصيات لإعادة التوازن
في مواجهة هذا الواقع المتشظي، تبدو الحاجة ملحة إلى إصلاحات عميقة تراعي البعد الثقافي والنفسي للجالية المغربية في بلجيكا. من أبرز التوصيات التي تجمع عليها التقارير الأكاديمية والميدانية، ضرورة تدريب أطباء الرعاية الأولية على الحساسية الثقافية، بما يسمح لهم بالتفاعل المهني دون تمييز غير مقصود أو أحكام مسبقة.
إلى جانب ذلك، تدعو مؤسسات مثل MentalHealth4All إلى دمج المنصات الرقمية التثقيفية في النظام الصحي، لتيسير فهم طبيعة الأمراض النفسية بلغة مبسطة، ولتقريب المفاهيم من المهاجرين الذين قد لا يرتاحون للمفاهيم الغربية الصرفة في التشخيص والعلاج.
كما توصي التقارير بضرورة دعم وتمويل مراكز مثل SSM Ulysse، المتخصص في تقديم الدعم والرعاية النفسية للمهاجرين، وهي تجربة أثبتت نجاعتها في بروكسل من خلال تقديم جلسات علاجية بلغات متعددة، وتوفير مترجمين مختصين في العلاج النفسي. هذه المقاربة – متعددة الثقافات – تمثل خطوة عملية نحو ردم الفجوة القائمة بين النظام الصحي والمرضى ذوي الأصول المهاجرة.
وتماشيا مع ذلك، أصبح من الضروري رفع مستوى المعلومات القانونية والاجتماعية للمهاجرين، خاصة خلال مراحل الانتظار الطويلة، لما لذلك من أثر في تقليل شعور الضياع، ودعم الاستقرار النفسي عبر تعزيز إدراك الحقوق والمسارات الممكنة.



