رياضةفي الواجهة

محمد مرزاق: “القنابلي” الذي انفجر وفاء في قلب الشرق

محمد مرزاق: “القنابلي” الذي انفجر وفاء في قلب الشرق

le patrice

السفير 24 – جمال اشبابي – باريس

في مدينة وجدة، حيث يتجاوز عشق كرة القدم مجرد اللعبة ليصبح جزءا لا يتجزأ من الهوية، لا يذكر اسم محمد مرزاق فحسب، بل يستحضر كرمز للوفاء المطلق وأسطورة حية محفورة في وجدان الجماهير.

لم يكن مرزاق مجرد صانع ألعاب فذ، بل كان تجسيدا لظاهرة فريدة في زمن شهد تقلبات جمة في عالم كرة القدم. لقد ظل مخلصا لقميص المولودية الوجدية، وكأن النادي شريان من دمه، لم يفارقه قط إلا في لحظة الاعتزال التي ودع فيها المستطيل الأخضر.

إنه نموذج استثنائي للاعب تجسدت فيه أسمى معاني الانتماء؛ فبات اسمه مرادفا للعطاء اللامحدود والتفاني الذي لن تمحوه السنون، ليظل نموذجا يحتذى به في تاريخ كرة القدم المغربية.

منذ التحاقه بفئات النادي سنة 1964، إلى ظهوره مع الفريق الأول موسم 1967-1968، كان واضحا أن هذا الشاب القادم من قلب وجدة ليس مجرد لاعب عادي. سرعان ما صنع لنفسه مكانة بين الكبار، وأطلق أولى قنابله في مرمى الاتحاد البيضاوي، في هدف مباغت لا يزال البعض يتحدث عنه باعتباره واحدا من أسرع الأهداف في تاريخ البطولة. لم تكن لحظة عابرة بل إعلان رسمي عن ميلاد نجم لا يرحم الشباك.

مرزاق أو “محمد القنابلي” كما لقبه الجمهور لم يكن هدافا فحسب، بل كان مايسترو في وسط الميدان يمزج بين القوة والدهاء، يصنع اللعب ويفاجئ الحراس بتسديدات مدوية. قاد المولودية رفقة زملائه إلى تحقيق لقب البطولة الوحيد في تاريخها موسم 1974-1975، وهو إنجاز لا يزال يروى بفخر في أزقة المدينة ومقاهيها.

في موسم 1971-1972، برز اسم مرزاق كوصيف لهداف الدوري المغربي، بعد عن نجم الدفاع الجديدي. ومع ذلك، لم تترجم هذه الإنجازات المحلية إلى فرصة حقيقية لتمثيل المنتخب الوطني.

لطالما أعرب مرزاق بصراحة عن استغرابه من هذا التهميش، خاصة استبعاد لاعبي المولودية من تشكيلة المنتخب المشاركة في دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط بالجزائر، رغم تتويج الفريق بلقب البطولة في تلك الفترة. لكن تساؤلاته ظلت بلا إجابات واضحة حتى اليوم: هل لعب البعد الجغرافي دورا في إقصائه وزملاؤه، أم أن تأثير الإعلام والعلاقات كان أقوى من الأداء المتميز على أرض الملعب؟

ومع ذلك، لم تقف مسيرته عند حدود ناديه، فقد مثل المنتخب المغربي للشبان وتوج معهم بدوري لوهافر الدولي سنة 1972، وشارك في الألعاب الأولمبية بميونيخ حيث أثبت أن موهبته تتجاوز حدود المدينة والبطولة، لكنها أكيد لم تنل ما تستحق من إشعاع على مستوى المنتخب الأول.

لم تكن قذائف محمد مرزاق مجرد تسديدات عادية، بل كانت صواريخ حقيقية ترعب حراس المرمى. يتذكر جمال الويزي، أحد قدماء الفريق المعاصرين للاعب، قذيفة مدوية من منتصف الملعب في سبعينيات القرن الماضي خلال مباراة بين المولودية وبني ملال بوجدة، حيث ارتطمت الكرة بالحارس الحبيب لتدخله معها في الشباك. كانت هذه مجرد لمحة بسيطة عن قوة القنابلي مرزاق، الذي اشتهر بتسديداته التي لا تصد ولا ترد من مسافات بعيدة.

مرزاق لم يكن بحاجة إلى كثير من الكلام ليثبت مكانته في الذاكرة الكروية المغربية، تسديدة واحدة منه كانت كفيلة بأن تحسم كل نقاش. الجمهور لقبه بـ “القنابلي”، واللقب لم يكن زائفا ولا من نسج الخيال، بل ولد من معاناة الحراس الذين وقفوا عاجزين أمام قذائفه الصاروخية، ومن فرحة الجماهير التي كانت تقفز مع كل كرة ترتج بها الشباك. من يتحدث اليوم مع قدماء عشاق المولودية في وجدة يسمع روايات عن أهدافه من خارج مربع العمليات، وكأنها مشاهد من فيلم لا يمل الناس من مشاهدته. مرزاق لا يسدد، بل يطلق قذائف. هي شهادة تختصر الكثير عن لاعب لم يكن فقط يتقن التمرير والمراوغة، بل كان سيدا في فن المباغتة واللمسة القاتلة التي تجعل الخصم يصفق مكرها لأعجوبة لم ير مثلها من قبل.

لم يكن محمد مرزاق نجما في الملعب فحسب، بل كان قدوة يحتذى بها. أطلق عليه زملاءه في المولودية لقب “الملك”، ليس لمهارته الفذة فقط، بل لانضباطه الشديد وأخلاقه العالية. يتذكر أحد اللاعبين من فئة شبان المولودية سنة 1978 كيف كان مرزاق يجلس معهم في القطار خلال سفرهم لمبارياتهم، يحثهم على العمل الجاد والانضباط. كان مرزاق مثالا للطيبة والتواضع والأخلاق العالية، صورة مشرقة تعاكس ما قد يتصوره البعض عن نجوم الكرة.

ورغم ما حملته تلك السنوات من أمجاد ومرارات، ظل مرزاق وفيا لنفسه ولناديه. لم يعرف غير المولودية طيلة ثلاث عشرة سنة من اللعب المتواصل، ولم يسع خلف المال أو الأضواء، بل اختار أن يكون رمزا للثبات في زمن متقلب. ارتبط اسمه بالملاعب حتى بعد الاعتزال، إذ كان من زاوية أخرى أستاذا للتربية البدنية، وهو لا يزال في ذروة عطائه الكروي، يغرس في الأجيال الجديدة ما تعلمه في المستطيل الأخضر من قيم وأخلاق نبيلة وتحديات لا تنسى وقصص لا تموت، مثل اسمه الخالد في ذاكرة كرة القدم المغربية.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى