في الواجهةكتاب السفير

هشام جيراندو.. من حرية التعبير إلى خدمة أجندات مشبوهة

هشام جيراندو.. من حرية التعبير إلى خدمة أجندات مشبوهة

le patrice

السفير 24 – ح. ر

يشهد الفضاء الرقمي المغربي في السنوات الأخيرة موجة من الخطابات العدائية التي تتخذ من المنصات الإعلامية الأجنبية ومواقع التواصل الاجتماعي وسيلة للتطاول على المؤسسات الوطنية المغربية ورموزها، بأسلوب يتجاوز حدود النقد المشروع إلى منطق التحريض والابتزاز الممنهج.

ويبرز في هذا السياق اسم هشام جيراندو، الذي بات يُعرف بإصراره المتواصل على مهاجمة المسؤولين المغاربة، بمن فيهم النزهاء الذين لم تسجل ضدهم أي سوابق فساد أو استغلال للسلطة، بل عُرفوا بالتفاني في خدمة المرفق العام. ولا يخفى على المتابعين أن هذا الخطاب العدواني لا ينبني على أسس موضوعية أو تحليلات منطقية، وإنما يتغذى من حقد دفين، وحسابات شخصية أو أجندات خارجية تلتقي مصالحها في تشويه صورة المغرب وإرباك استقراره.

المثير للانتباه أن جيراندو لا يكتفي بنقل أخبار أو تحليلات تنتقد أداء بعض المؤسسات، بل ينهج أسلوبًا هجوميًا عدائيًا يُقوّض من مصداقيته، حيث لا يتورع عن توزيع الاتهامات المجانية، والتشكيك في نوايا ومسارات عدد من المسؤولين، بل ويخوض أحيانًا في أعراضهم وحياتهم الشخصية، في خرق سافر لأخلاقيات المهنة الإعلامية وأبجديات التحليل السياسي الرصين. والأخطر أن هذا السلوك بات يُستعمل وسيلة للابتزاز، في محاولة للضغط على بعض الجهات أو تحصيل مكاسب شخصية أو مالية، وهو سلوك يتنافى مع كل المبادئ التي يفترض في الإعلامي أو “الناشط” التحلي بها. وهنا تطرح العديد من الأسئلة حول مصادر تمويله، ومن يدير قنواته، ومن يسمح له بهذه الجرأة غير المسبوقة في مهاجمة بلاده ورموزها الوطنية.

إن الخرجات الإعلامية المتكررة لهذا الشخص توحي بتوجيه خارجي مقصود، خصوصًا أن توقيتها غالبًا ما يتزامن مع محطات دبلوماسية حاسمة أو إنجازات مغربية تزعج خصوم الوحدة الترابية للمملكة. وليس من قبيل المصادفة أن تتقاطع نبرة جيراندو مع خطاب بعض الأبواق الإعلامية الرسمية في دول الجوار، وعلى رأسها الجزائر، وهو ما يزكي أطروحة أن المعني بالأمر لا يتحرك باستقلالية، بل قد يكون أداة ضمن مشروع إقليمي أوسع يستهدف المس بالمغرب من خلال استغلال بعض الأصوات التي تدّعي الانتماء للوطن، فيما هي تخدم أجندات أعدائه لقاء مبالغ مالية أو دعم لوجستي موجه. وهذا التورط المحتمل مع جهاز المخابرات الجزائرية يطرح أسئلة جدية حول مصداقية هذا الخطاب الذي يدعي الدفاع عن المظلومين بينما يهاجم أوفياء الدولة ويصمت عن الفساد المستشري في الدول التي تستضيفه أو تموله.

وفي خضم هذا التناقض، لا يتردد هشام جيراندو في تقديم نفسه بصفته الناطق باسم الشعب المغربي، دون تفويض أو تمثيلية أو حتى تواصل فعلي مع نبض المجتمع المدني داخل الوطن. فتراه يطلق تصريحات باسم “المغاربة الأحرار”، و”الشعب المقهور”، وكأن الوطن خالٍ من مؤسسات منتخبة، وإعلام مستقل، ونخب فكرية وحقوقية تعبّر بحرية عن مواقفها. هذا الانتحال للصفة التمثيلية يُعدّ في حد ذاته نوعًا من التحايل السياسي والانتحال الرمزي، وهو سلوك لا يليق بمن يتحدث عن الديمقراطية وحرية التعبير، إذ يضرب في العمق قيم المشاركة والتعددية ويمنح لنفسه سلطة معنوية لا يملكها ولا يستحقها.

ويبقى السؤال الجوهري: لماذا كل هذا الحقد على المغرب؟ ولماذا هذا الاستهداف الممنهج في لحظات دقيقة من مسار تطوره السياسي والدبلوماسي؟ الأجوبة لا تتطلب كثيرًا من التأمل، إذ إن من يقتات من موائد الآخرين، ويصوغ خطابه بمنطق الإملاء مقابل الدولارات، لا يمكنه أن يبني نقدًا صادقًا أو يسهم في تطوير مجتمعه. فالنقد لا يكون بالتشهير، ولا بالتخوين، ولا بالتحامل الشخصي، بل بالمساءلة الرصينة والمسؤولة، وفق ضوابط مهنية وأخلاقية. أما عندما يتحول الإعلام إلى أداة للانتقام السياسي، ويُستعمل كدرع في صراع استخباراتي إقليمي، فإن القضية لم تعد تتعلق بحرية رأي، بل بخيانة رمزية للوطن وذاكرته الجماعية، تستدعي التنبيه والفضح لا التصفيق والتغاضي.

إن الوطن يتسع للنقد البناء، بل يحتاجه، لكنه يضيق بخطابات الكراهية والمزايدات المأجورة التي لا تترك أثرًا سوى تشويه السمعة وتحطيم الرموز وتشويش الوعي العام. ومن هذا المنطلق، فإن قضية هشام جيراندو ليست سوى مثال فاضح على كيف يمكن أن تتحول الحرية إلى فوضى، والانتماء إلى استرزاق، والكلمة إلى أداة طعن في خاصرة الوطن.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى