
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
في زمن كانت فيه مدرجات ملعب وجدة تهتف باسمه بحماس جارف، كان مصطفى الطاهري أيقونة للمولودية الوجدية والمنتخب المغربي يكتب أسطورة كروية رائعة. مدافع صلب، لا يشق له غبار، قاد فريقه إلى مجد تاريخي عام 1975، وسجل بقميص الأسود هدفا لن ينسى في كأس أمم إفريقيا 1980.
لقد كان نجما ساطعا، يضيء الملاعب ويشعل الحماس في قلوب الآلاف، حتى أنه حمل شارة عميد المنتخب المغربي في أوج عطائه. لم يقتصر تألقه على المولودية الوجدية، بل لعب أيضا لفريق الاتحاد الإسلامي الوجدي وفريق نهضة بركان، تاركا بصمته في كل ناد ارتفع فيه نجمه.
لكن، ما أن أسدل الستار على مسيرته الكروية الذهبية في منتصف الثمانينيات، حتى تبدلت الأضواء إلى ظلامٍ دامس. فبدلا من التكريم الذي يليق ببطل وهب حياته للكرة، وجد الطاهري نفسه وحيدا، يصارع قسوة الحياة ومرارة النسيان. اختفى وهج الملاعب، وحل مكانه روتين شاق كمستخدم في شركة نقل بوجدة، عمل بالكاد يسد رمقه. اليوم، يعيش الطاهري على معاش شهري لا يتجاوز ألف درهم، مبلغ يدمي القلب، ويذكرنا بأن المجد الكروي قد لا يشتري لك حتى لقمة العيش الكريم.
مع مرور السنين، لم تتوقف قسوة الأيام عند هذا الحد. فقد داهمته الأمراض المزمنة، وتدهورت حالته الصحية بشكل مأساوي، حتى فقد إحدى ساقيه. تخيلوا معي مرارة هذا الفقدان على نفس رياضي اعتاد الركض والتألق. وبينما تكفلت مؤسسة محمد السادس للأبطال الرياضيين بتوفير رجل صناعية، فإن الدخل البسيط الذي كان يتلقاه من المولودية الوجدية (ثلاثة آلاف درهم) قد توقف منذ ثلاث سنوات، ليلقي بظلال قاتمة من اليأس على حياة رجلٍ لم يعرف سوى العطاء.
اليوم، يجلس الطاهري على كرسيه المتحرك، قد تراه في المدرجات أو أمام شاشة التلفاز، يتابع بشغف مباريات فريقه، وكأن روحه لا تزال عالقة في تلك اللحظات الذهبية. في عينيه، تقرأ حكاية مجد سابق، وألم حاضر، ومرارة نسيان لاذع. ورغم بعض اللفتات التكريمية الرمزية، فإن صوته الخافت يحمل صرخة واحدة، وكأنه يقول: “لا أريد منكم شيئا”.
قصة مصطفى الطاهري ليست مجرد حكاية لاعب، بل هي قصة وجع جماعي، صدى لمعاناة العديد من النجوم الذين أضاءوا سماء الكرة المغربية، ثم أُلقي بهم في زوايا النسيان. هل من العدل أن تصرف الملايين على صفقات اللاعبين، بينما يترك أبطالنا الحقيقيون يصارعون الفقر والمرض في صمت؟
إنها دعوة صريحة، صرخة من القلب، للضمير الرياضي والإنساني. دعوة لإعادة الاعتبار لرجال صدقوا العهد مع الكرة والجمهور، وهبوا شبابهم وصحتهم لهذا الوطن، لكنهم خذلوا حين احتاجوا من يرد لهم الجميل. هل ستبقى هذه القصص مجرد عبر تروى، أم أن المؤسسات المعنية ستستفيق وتنصف هؤلاء الأبطال، لتعيد لهم كرامتهم المستحقة قبل فوات الأوان؟



