في الواجهةكتاب السفير

قانون 01.00 والماستر.. أعطاب تدبيرية تهدد الجامعة المغربية وتفتح شهية الخوصصة

قانون 01.00 والماستر.. أعطاب تدبيرية تهدد الجامعة المغربية وتفتح شهية الخوصصة

le patrice

السفير 24 – ح. ر

منذ صدوره قبل أكثر من عقدين، ظل القانون 01.00 المنظم للتعليم العالي بالمغرب محط جدل مستمر داخل الأوساط الجامعية. هذا القانون، الذي وُضع في سياق إصلاحي طموح مطلع الألفية، سرعان ما اصطدم بحدود واقعية فرضتها ديناميات التعليم العالي المتسارعة، وضعف الإرادة في تطوير حكامته، مما جعله، في نظر العديد من الأساتذة والمهتمين، قانونًا متجاوزًا، عاجزًا عن مواكبة التحولات، بل ومساهمًا في إنتاج الإرباك داخل الحرم الجامعي.

أحد أبرز تجليات هذا الإرباك يظهر في سلك الماستر، الذي تحول من فضاء أكاديمي للتفوق العلمي والتخصص، إلى مجال خصب للشكوك والاتهامات والتوظيفات الملتبسة.

لقد ساهم غياب نص تنظيمي دقيق ومفصل لهذا السلك، في إطلاق العنان لاجتهادات متباينة بين الجامعات، بل وحتى بين الأساتذة داخل نفس المؤسسة، وهو ما خلق حالة من “السلطة المطلقة” غير المعلنة لدى بعض منسقي الماسترات، جعلت عدداً من الطلبة يشعرون وكأنهم أمام “ماستر خاص” وليس ضمن مؤسسة عمومية ممولة من المال العام.

ولأن الفراغ يولّد السلطة، وجدنا أنفسنا اليوم أمام نمط من الخطاب الجامعي يُكرّس فكرة “الملكية الخاصة” للماستر، حيث يُسمع، في الكواليس أحيانًا، من يعتبر هذا الفضاء العلمي “ماستره”، يقرر من يُقبل ومن يُقصى، وفق معايير غالبًا ما تكون غامضة أو شخصية، بعيدة عن روح المساواة وتكافؤ الفرص.

في هذا السياق، تُطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الشخص الذي يفترض أن يكون منسقًا لمسلك الماستر. منسق الماستر ليس فقط أستاذًا ينظم الامتحانات، بل هو ضابط إيقاع أكاديمي، وفاعل مفصلي في الحفاظ على سمعة الجامعة ومصداقية شهادتها.

لهذا، يجب أن يكون هذا الشخص من ذوي النضج المعرفي، والاتزان الأخلاقي، والقدرة على الفصل بين المهني والشخصي، بل يجب أن يكون أيضًا محصنًا من النزوات الصغيرة التي قد تسقط التجربة برمتها في مستنقع الشبهات.

إن الوضعية الحالية للماسترات، والتي تشهد تزايدًا في عدد الملفات القضائية والنزاعات، ليست سوى أعراض لمرض أعمق، اسمه غياب إصلاح جذري وجاد لمنظومة التعليم العالي. لقد بات من اللازم مراجعة شاملة للقانون 01.00، ليس فقط تقنيًا، بل فلسفيًا ومؤسساتيًا، من أجل بناء جامعة مغربية حديثة، ديمقراطية في تسييرها، وشفافة في انتقاءاتها، ومرتبطة بحاجيات المجتمع، لا رهينة لحسابات ضيقة.

أخطر ما في هذه المرحلة، هو التوجه غير المعلن نحو نزع القيمة الرمزية للجامعة العمومية. فعندما تتكرر هذه المظاهر دون معالجة حقيقية، ويتم التساهل مع اختلالات المنظومة، أو تأجيج الحملات الشعبوية ضد الأستاذ الجامعي، فإننا نفتح المجال، بشكل ضمني أو صريح، لتبرير خوصصة التعليم العالي، تحت ذريعة الجودة، والفعالية، والحكامة. لكن ما لا يُقال كثيرًا، هو أن خوصصة الجامعة العمومية ليست حلاً، بل إعلان عن بداية انهيار مجتمعي تدريجي. لأن ما يُخوص لا يعود ملكًا عامًا، وما يُخوص يُسعّر، ومن لا يملك ثمن العلم يُقصى منه.

في هذه اللحظة المفصلية، يجب أن نطرح السؤال الأخلاقي والسياسي العميق: هل نريد جامعة عمومية قوية، ديمقراطية، متاحة للجميع؟ أم أننا نستسلم لتفتيتها، من خلال إضعاف أطرها، والتشهير برموزها، والدفع بأبناء الطبقات الشعبية إلى براثن مؤسسات خاصة كثير منها يشتغل بمنطق الربح لا التربية؟

إن الجامعة المغربية، بكل مشاكلها، ما زالت تُخرج قضاة، أطباء، مهندسين، باحثين، وصحفيين. ورغم ما نراه من اختلالات، فإن أغلب أساتذتها يشتغلون في صمت ونزاهة، ويتعرضون لضغوط يومية لا تطفو على السطح. إنهم لا يملكون منابر للدفاع عن أنفسهم حين تُطلق الاتهامات جزافًا، ولا يتمتعون بحصانة معنوية أمام زحف التشكيك المجاني. لذلك، فالواجب الأخلاقي يقتضي ألا نحاكم الجامعة من خلال حالات فردية، بل أن نقيمها بمعايير الإنصاف، وأن نمنحها فرص الإصلاح الحقيقي، بعيدًا عن أجندات الخوصصة أو اختزال الحل في الزجر.

الجامعة، في النهاية، ليست مشكلًا بل جزء من الحل. إنها الفضاء الذي يصنع الفرق بين مجتمعات تُدار بالمعرفة، وأخرى تُقاد بالشائعات. وحين نُضعف هذا الفضاء، أو نحوله إلى حقل للتجريب الشعبوي، فإننا لا نُصلح، بل نُقوّض أساسًا من أسس السيادة الثقافية والسياسية للبلد.

وإذا خوصصنا الجامعة … فانتظر الساعة.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى