
السفير 24
في زمن يتصاعد فيه منسوب الشك المجتمعي تجاه المؤسسات، وتتهاوى فيه رمزية المعرفة تحت وقع الضجيج الإعلامي والتأويلات المتسرعة، تطفو إلى السطح قضية الأستاذ الجامعي أحمد قيلش، أستاذ القانون الخاص بكلية الحقوق – جامعة ابن زهر بأكادير، الذي أُحيل على قاضي التحقيق للاشتباه في وجود خروقات تتعلق بملف التسجيل في سلك الماستر والدكتوراه.
القضية، وإن كانت لا تزال في طور التحقيق، فقد حظيت منذ البداية بتغطية واسعة ومكثفة، وأثارت ردود فعل وجدلاً في الأوساط الأكاديمية، القانونية، وحتى داخل الرأي العام.
ما يستحق التوقف عنده في هذا الملف، ليس فقط شخص الأستاذ المعني أو طبيعة الشبهات المثارة، بل السياق العام الذي تتحرك فيه مثل هذه القضايا حينما تمس الجامعة المغربية، والسرعة التي يُحاكم بها الأستاذ الجامعي في وجدان الناس، قبل أن يقول القضاء كلمته. يتابع الكثيرون تفاصيل هذا الملف كما لو أنه محاكمة للجامعة نفسها، لا لفرد قد تثبت براءته أو إدانته، ومع ذلك يبقى السجال قائماً: لماذا يتحول الأستاذ الجامعي، في كل مرة، إلى “حيط قصير” الذي تُلقى عليه التهم والشبهات؟ ولماذا باتت الجامعة هدفًا سهلاً لبعض حملات التشكيك، بينما تتوارى ملفات قطاعات أخرى قد تكون أكثر اختلالًا، وأقل مساءلة؟
تسكن خلف هذه الواقعة أسئلة أعمق من حدود الملف القضائي نفسه. فالجامعة المغربية، ومنذ سنوات، تعاني من تآكل صورتها العمومية، وتراجع مكانتها داخل النسيج الوطني. ولئن كان بعض هذا التراجع ناتجًا عن اختلالات داخلية تخص البنية التكوينية أو التدبيرية، فإن جزءًا غير يسير منه مرده إلى مناخ عام يُضعف الثقة في المؤسسات، ويميل إلى اختزال القضايا في بعد شخصي، بدل تفكيكها وفق منطق الإصلاح الممنهج.
ما يميز الجامعة عن غيرها من المؤسسات هو طبيعتها الرمزية، فهي ليست مجرد مرفق عمومي، بل فضاء للعلم والنقد والتفكير. ومن المؤسف أن يتحول الأستاذ الجامعي من عقل جماعي منتج إلى هدف سهل في معادلة مشحونة بالتوتر والاختزال.
واللافت، أن قضايا من هذا النوع لا تحظى غالبًا بالتريث، بل تجد من يسارع إلى شيطنة المعني بالأمر، والتشكيك في المنظومة التكوينية برمتها، دون تمحيص أو استيعاب للسياقات المؤسسية التي تشتغل فيها هذه الكليات. ولعلّ مما يعمّق الإشكال، هو أن سلك الماستر – تحديدًا – يُعد من أكثر مستويات التكوين الجامعي إشكالية، نظرًا لغياب إطار قانوني وطني موحد وواضح يضبط معايير الانتقاء والتسجيل فيه. ويُترك أمر التنظيم غالبًا لاجتهاد الكليات، التي تعتمد معايير قد تبدو غامضة أو غير مفهومة في أعين المتتبعين. وعليه، فإن ما يُفترض أن يكون نقاشًا حول إصلاح بنيوي، يتحوّل بسهولة إلى تهمة فردية، ويتحول الأستاذ الجامعي إلى كبش فداء داخل منظومة غير محصنة تشريعيًا ولا تواصليًا.
فالجامعة ليست فضاء مغلقًا على ذاته، بل تتقاطع فيه رهانات الدولة مع طموحات الطلبة، وتتفاعل فيه الضغوط الاجتماعية مع الأطر التربوية التي تعاني هي الأخرى من هشاشة لا تقل عن ما تعانيه قطاعات أخرى. فأساتذة التعليم العالي، رغم تكوينهم العالي وأدوارهم المفصلية في إعداد النخب الوطنية، يشتغلون في ظل إكراهات مادية ومعنوية متفاقمة، تُترجمها الأرقام التي تشير إلى نزيف استقالات متزايد، وتدني جاذبية المهنة لدى الأجيال الصاعدة. هؤلاء الأساتذة يؤطرون الآلاف من الطلبة سنويًا، وينشرون المعرفة، ويؤسسون للبحث العلمي، ومع ذلك لا يُنظر إليهم كرافعة وطنية، بل أصبح كثير منهم يعيش تحت ضغط الشك المستمر، والتهديدات القانونية، بل وحتى الاعتداءات الرمزية التي تُمارس باسم الشفافية، لكنها تفتقر أحيانًا إلى الإنصاف والاتزان.
لا يدعو هذا إلى تعطيل المحاسبة أو إلغاء الرقابة، فكل من يمارس وظيفة عمومية يجب أن يخضع للمساءلة. غير أن المساءلة يجب أن تتم ضمن قواعد واضحة، وفي إطار من العدالة والاحترام، لا في مناخ من الشك والتشهير المجاني.
كما أن علاج اختلالات الجامعة لا يكون بمحاصرة الأفراد، بل بإعادة بناء الثقة في المؤسسة، وفتح ورش حقيقي لتأهيل منظومة التكوين العالي، تشريعيًا، وإداريًا، وأخلاقيًا.
إن ما يجب أن تخرج به الجامعة المغربية من هذه الواقعة، هو ليس الخوف من فتح ملفاتها، بل الإصرار على إعادة الاعتبار لدورها كفضاء للإصلاح الذاتي والنقد البناء. أما الأستاذ أحمد قيلش، فإن قضيته لا يجب أن تتحول إلى محاكمة لمهنة بأكملها، بل أن تُدرج ضمن سياقها القضائي، بعيدًا عن منطق التشويه أو التسيس.
والجامعة، في النهاية، لا تحتمل المزيد من الاستهداف، لأنها ليست فقط مؤسسة تكوينية، بل حصن منيع ضد الرداءة، وركن أساسي في مشروع أي أمة تحلم بالتقدم.



