
*بقلم: يسين العمري – دكتور في علم الاجتماع السياسي
قبل كلّ شيء وكما تعلّمنا منذ نعومة أظافرنا، تقتضي الروح الرياضية أن نقوم بتهنئة منتخب الجارة الشرقية الذي فاز على المنتخب المغربي بضربات الحظ الترجيحية، وللأمانة والموضوعية، منتخبنا الوطني كان تائهاً ومشتت التركيز، وقد نفخ الإعلام المغربي والعربي من صورة اللاعبين والمدرب، وإعطاء صورة مخادعة ومبالغ فيها عن المنتخب، وهو ما انعكس سلبا عليه، حيث بات المرشح فوق العادة لحصد اللقب العربي، كما قام بعض الفنانين باستباق الأحداث والغناء والتهليل والتطبيل، وقد وصل هذا الأمر إلى الجمهور الذي بالغ في ثقته إلى درجة الغرور واستفزاز الخصوم. المحصّلة نفس من هزمنا أنفسنا بأنفسنا، ولم يهزمنا الخصم الذي كان يرتعد إعلامه وجلاً قبل اللقاء.
هل سبق لأحد أن سمع أو قرأ عن دولة تقوم فيها وزارة الدفاع بتهنئة منتخب كرة قدم في مسابقة إقليمية فاز في دور الربع النهائي؟ أجزم بأنّ الجواب هو لا أحد سمع أو رأى ذلك إلا ليلة السبت 11 نونبر 2021، الجارة الشرقية للمغرب تخلق الحدث وتلفت الأنظار، فقد أثبتت للعالم ما قلناه مراراً وتكراراً وهو قيامها بعسكرة كرة القدم، عسكرة الرياضة، بل عسكرة الشأن العام المحلي في تلك الدولة.
نرجع بعقارب الساعة إلى ما قبل المباراة، حيث زار الملحق العسكري لكوريا الشمالية الشرقية منتخب بلاده في فندق إقامته، وحفّزهم وذكرهم بالشهداء والثورة، وضرورة الفوز على العدو “الصهيوني”، ثمّ نعود إلى اللقاء حيث عرف ما ألفناه من استغلال نظام الكابرانات لقضية فلسطين لتجييش وتحشيد الجمهور العربي بصفة عامّة، حتى في حدث رياضي يفترض أن يكون محطّة لتقريب الشعوب وإشاعة الألفة ، ومارست في أرخص وأحطّ أساليب الدعاية السياسية ضدّ بلد جار عربي أمازيغي مسلم، بحجّة تطبيع نظامه مع إسرائيل. وقد رأينا الإعلام التونسية والفلسطينية والموريتانية بكثافة في المعسكر الآخر.
هذا الأمر الذي أثر بشدّة على بعض المغاربة، وما زادهم استغرابا هو احتفال أهل غزة حتى الفجر بانهزام المنتخب المغربي، نعم غزة التي أسس فيها المغرب قبل شهرين مستشفى متطور لجميع التخصصات، وجامعة الحسن الثاني للزراعة والبيطرة. وتونس التي في عزّ أزمتها بداء كورونا أنجز لها المغرب مستشفى ميدانيا بسعة 100 سرير، في حين باعت لها جارتها الأخرى الغاز بمقابل. وموريتانيا التي تعيش على خيرات المغرب من خضراوات وفواكه وغيرها. وطبعاً دون نسيان بعض الميكروبات من عصابة البوليساريو داخل وخارج المملكة الذي أظهروا شماتتهم ونفثوا سموم حقدهم على المغرب وتشفّوا في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك فعل بعض متطرفي الريف بالداخل والخارج.
المصريون هم الوحيدون من العرب الذين ساندوا المنتخب المغربي، طبعاً لست محللا رياضيا، ولكن ما يهمني هو التأكيد على ما قاله المفكر المغربي العظيم عبد الله العروي “المغرب جزيرة مطوقة بالنظر إلى موقعه الجغرافي”، وعلى هذا الأساس يجب أن نتعامل، نعلم أن دول الجوار تكره المغرب البلد، والدولة والشعب، ونعلم علم اليقين أن شعارات “خاوة خاوة” كلها نفاق، فدول الخليج العربي والأردن بالأساس، ومصر بدرجة أقلّ، هي فقط من لها علاقات طيبة سياسيا واجتماعيا مع المغرب، أمّا بقية الدول، خصوصاً المجاورة، تكرهنا كمغاربة، تكره بلداً له حمولة تاريخية، له إشعاع دولي، له وزن جيو-بوليتيكي، قوة إقليمية حقيقية يضرب لها ألف حساب، وليس قوة ورقية كارتونية تسمي نفسها ضاربة، وقد أظهر تقريران مخابراتيان ألمانيان مدى حقد كوريا الشمالية الشرقية وكذلك تونس على المغرب نظراً لنجاحاته في اختراق السوق الإفريقية اقتصاديا.
نعم يا سادة يا كرام، نحن جزيرة، وعلى هذا الأساس ينبغي أن نتعامل، بحيث لا يجب أن يعلو صوت فوق صوت المصلحة الوطنية للمغرب والمغاربة، وأنا أولكم، علينا أن نستفيق من التخدير والديماغوجية القومجية العربية والإسلاموية الضيقة، قضيتنا الأولى والأخيرة “الصحراء المغربية”، يجب أن يصبح راسخا لدينا في قلوبنا وعقولنا شعار “تازة قبل غزّة”.
رسالة أخيرة للقومجيين والإسلامويين العرب، وخصوصاً الفلسطينيين والكوريين الشماليين الشرقيين ومن سار على نهجهم، إذا كانت سلطتهم تعترف بإسرائيل وتطبّع معها وتنسّق معها أمنيا، فعَلَام تنقمون علينا؟ أنتم بتطرفكم ضدّ المغرب وتسخير أقلامكم المأجورة وذبابكم الإلكتروني، تدفعون قطاعاً غير هيّن من المغاربة إلى أن يتطرّفوا تطرّفاً معاكساً، فيتبنّون جملة وتفصيلاً قضية إسرائيل والتعاطف معها، وهذا ما لا نتمنّاه على الأقلّ حالياً، كلّ ما نريد هو أن تدعوننا وشأننا، لا نريد التدخل في قضاياكم ولا نريدكم أن تتدخلوا في قضايانا.
كنا كمغاربة وسيبقى كثيرون منا يحملون هموم فلسطين ويقدمون لها الغالي والرخيص ليس من باب المنّ، بل من باب العقيدة الراسخة، مقابل ذلك لم نحصد سوى عدم تعاون العديد من العرب مع قضيتنا الوطنية، ويوم جاء من يدعم قضيتنا ثارث ثائرتكم، نعم المصلحة اقتضت وتقتضي التعاون العسكري والأمني مع إسرائيل، وهذا شأننا، ونحن ماضون فيه، رضي من رضي وكره من كره، ومن لا يعجبه الحال فليشرب من الواجهتين البحريتين للمغرب: المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط.



