في الواجهةكتاب السفير

قرارات تدبير التعليم عن بعد بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء تفجر صراعا حادا بين الرئيسة ومجموعة من أعضاء مجلس الجامعة

le patrice

* بقلم : ذ. المصطفى ساجد

تعرف جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء صراعا حادا و استياء كبيرا لدى مجموعة من أعضاء مجلس الجامعة الذين يرفضون طريقة تدبير التعليم عن بعد باعتبار أن القرارات المتخذة تتسم بـالانفرادية وبتجاوز اختصاصات الهياكل الجامعية المعنية ومهام أعضائها.

فأعضاء مجلس الجامعة المعنيين يعتبرون أن القرارات المتخذة لا تعنيهم و أن اختصاصاتهم التقريرية تم تجاوزها من خلال هيمنة الوزير المعني بالقطاع ورضوخ رؤساء الجامعات العمومية لتعليماته، بتطبيق في إطار ندوة الرؤساء، ما يتم طبخه بالوزارة وفرضه على الفاعلين الجامعيين خلال هذه الظرفية العويصة التي تفرض على الدول سن حالة الطوارئ الصحية المرتبطة بأزمة وباء كوفيد 19.

  وعليه فالفاعلين الجامعيين، من خلال البيانات النقابية وأشكال أخرى تعبر عن تأزم وضعية التعليم العالي، يحذرون من عواقب استغلال ظروف الأزمة الصحية وحالة الطوارئ المرتبطة بها للتسلط وبسط النفوذ والهيمنة الإدارية وفرض القرارات الأحادية الجانب.

  فالفاعلون الجامعيون يعتبرون أن مبدأ استقلالية الجامعة العمومية لا يعدو أن يكون إلا شعارا فارغا  وأن الواقع يجسد وصاية وهيمنة المنطق الإداري المتصلب ضدا على مقتضيات القانون 00-01 المنظم للتعليم العالي، والذي يعطي للهياكل الجامعية اختصاصات واسعة لتدبير الشؤون البيداغوجية والعلمية والمالية، وأن رئيس الجامعة ما هو إلا منفذ لقرارات أغلبية مجلس الجامعة. فصراع مجموعة من أعضاء مجلس الجامعة مع رئيسة جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء اتخذ عدة أشكال لمواجهة طريقة تدبيرها لهذه المرحلة العويصة كعريضة تنديدية موقعة من طرف مجموعة من أعضاء المجلس، تحرير بيان شديد اللهجة للمكتب الجهوي النقابي للمؤسسات الجامعية لمدينة المحمدية…

   فالمجموعة المعنية لأعضاء مجلس الجامعة تلوح بالتصعيد من خلال احتمال رفع دعوى قضائية لدى المحكمة الإدارية ضد ما اتخذ من قرارات من طرف رئاسة الجامعة خلال حقبة تدبير الأزمة الصحية واعتماد التعليم عن بعد.

فلإطفاء غضب واستياء مجموعة من أعضاء مجلس الجامعة، فبعض محاولات الصلح بين الطرفين، عبر وساطة فاعلين جامعيين في إطار ما سمي ” بلجنة الحكماء” باءت بالفشل بحيث أن الأعضاء المعنيين، الأكثر إستياء وغضبا على سلوكيات تعنت رئيسة الجامعة و تأثيرات حاشيتها- والتي تضم من بين أعضائها من لهم مع رئيسة الجامعة ارتباطا عائليا وبالتالي تأثيرا قويا على تصرفاتها وطريقة عملها، (مذكرا أن بعض التعيينات بحاشيتها قد أثارت حينئذ هواجس وردود أفعال صاخبة داخل بعض الأوساط الجامعية) – يطالبون بالحد من هيمنة إدارة الجامعة، والتراجع عن بعض القرارات البيداغوجية والعلمية والمالية المتخذة ضدا على اختصاصات المجلس بإعادة جدولتها لمشاريع قرارات يوجب المصادقة عليها من طرف حضور الأغلبية، واحترام قانونية الاجتماعات والانصات لاقتراحات جميع الأعضاء الذين لهم مهام تمثيلية زملائهم بالمؤسسات الجامعية.   

  يجب التذكير أن المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي كان قد أصدر  بيانا للاستنكار والتنديد بتجاوزات وتجاهل اختصاصات ومهام الهياكل الجامعية من طرف رؤساء الجامعات ورؤساء المؤسسات التابعة لها، واعتبارهم كمنفذين مطيعين لإملاءات وقرارات تتخذ بمطبخ الوزارة تحت مبررات الظروف الطارئة والغير متوقعة و التي فرضتها حالة الطوارئ الصحية التي تعرفها البلاد منذ شهر مارس 2020.

فإذا كانت لرئيس الجامعة صلاحيات السهر على السير العادي للمؤسسات عبر تفعيل القبعة الإدارية وسلطة الوصاية على رؤساء المؤسسات الذين من واجبهم الحرص على التطبيق الصارم لمقتضيات النصوص القانونية والتدبير السليم للمصالح الإدارية وتنفيذ القرارات المتخذة، فإن مشروع تنمية الجامعة عبر صياغة القوانين الداخلية واتخاذ قرارات التسيير الجامعي على المستوى البيداغوجي والعلمي والمالي، هو من مهام أعضاء مجلس الجامعة.

فالفاعل الجامعي الغيور عن الدفاع على رئاسة المصلحة العامة وعن كرامة وحقوق جميع فئات الجامعة من أساتذة وطلبة و موظفين لا يمكنه إلا أن يصطف مع القضايا العادلة ومع الصراع ضد مظاهر التسلط وتجاوز الهياكل الجامعية وضد استغلال موارد الميزانيات المرصودة، ونهب غنيمة التكوين المستمر الريعي. وضد منطق تغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة ، من خلال استغلال المهام الجامعية الإدارية والبيداغوجية والعلمية لتقوية المنفعة والأغراض الشخصية ولاستنفاذ الطموحات الغريبة على منتج الأفكار والمعرفة الذي أضحى يلهث بغية تقلد المسؤوليات وتسريع الترقية والتسلق السريع والهاجس المتفاقم والمخجل للاستدراك المادي وتقمص مظاهر الاستهلاك لدى البورجوازية الهمزاوية حسب تصنيف أستاذ علم الاجتماع الراحل محمد جسوس.

إلا أنه على من يتحملوا المسؤوليات بالهياكل الجامعية و النقابية أن يتشبثوا بدوام وصلابة المواقف، خاصة وأن بعض النماذج لا يمكن المراهنة عليها للدخول في صراع بنكران الذات والتضحيات وأنها تتلون وتضغط وفق مصالحها، وعدم استغلال الاصطدام و” التصعيد المناسباتي” بالمقايضات و المساومات وسلوكيات ” قلب المعطف ” مقابل الامتيازات والاغراءات والتي تخدم مصالح ضيقة وفئوية ضدا على الأهداف المتوخاة من صراع في خدمة الصالح العام لصيانة كرامة الفاعل الجامعي وضمان حقوقه المشروعة.

فتسلط الجهات الإدارية (رئاسة الجامعة – رؤساء المؤسسات و حاشيتهم) ليس وليد اليوم أو مرتبط بتأثيرات حالة الطوارئ الصحية لأزمة كوفيد 19، بل أن هذه الجامعة العمومية (جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء) تعرف العديد من التجاوزات والاختلالات منذ مدة زمنية طويلة في غياب تام للتدقيق والفحص الجاد على المستوى المالي و البيداغوجي والعلمي.

فبعض رؤساء الجامعة ورؤساء المؤسسات التابعة لها تسلطوا وحولوا المرافق العمومية الى محميات وضيعات خاصة في تواطؤ مكشوف و سكوت تام لأعضاء الهياكل الجامعية والمكاتب النقابية الذين كانوا يباركون مركزة القرار بيد الجهات الادارية ويساندون تنكيلهم وتعسفهم على حقوق مجموعة من الفاعلين الجامعيين من أساتذة وطلبة و موظفين، ومن خلال ضرب مصداقية التظلمات والشكايات والبيانات ضد أولياء نعمتهم وأسيادهم من ذوي المسؤوليات الادارية. فالتجاوزات الاستبدادية والممارسات الانتقامية والاجرامية ما كانت لتقترف وتعاش بشكل ممنهج منذ سنوات بإدارة الجامعة والمؤسسات الجامعية ، لولا تأشيرة ومساندة أعضاء الهياكل الجامعية والنقابية التي بتواطئها علفت وسمنت رؤساء الجامعة ورؤساء المؤسسات ومجموعة من حاشيتهم التي ضمت وتضم نماذج جائعة ومفترسة من نواب وكتاب عامون.

فالتعنت الحالي لرئيسة الجامعة و تهميشها لمهام أعضاء مجلس الجامعة ما هو إلا ناتج لصيرورة ممتدة ذات منحنى سلبي يتحمل فيه أعضاء الهياكل الجامعية والنقابية مسؤولياتهم، خاصة و أن بعض النماذج احترفت الالتصاق بكرسي المسؤوليات بإدارات المؤسسات، وبالهياكل الجامعية والمكاتب النقابية وأصبح لها نفوذ وتأثير على مناحي العمل الجامعي و تم نسج علاقات قوية بين أطراف انتهازية و وصولية في إطار ” أخطبوط جامعي” ضامن للحفاظ على مصالح شخصية وللسلم الاجتماعي بإدارة الجامعة وبالمؤسسات التابعة لها و كإطار لتبادل المصالح واقتسام المنافع وإسناد المناصب.

فهل يمكن اعتبار هذا الصراع كإستفاقة و صحوة ضمير مفاجئة – خاصة و أن المجموعة الغاضبة تضم بعض الأعضاء ينسجوا دوما مع ذوي المسؤوليات الادارية، من رؤساء الجامعة ورؤساء المؤسسات التابعة لها  وحاشيتهم من نواب و كتاب عامون، صداقات وعلاقات ” تعاون وتبادل تسديد الخدمات” ذات المنفعة الخاصة للطرفين وأجندتهم – و وعي مسؤول و كبوادر لتشتت واندثار لهذا ” الأخطبوط المصلحي” الذي مكن نماذج كثيرة من الاغتناء الغير مشروع ومن قضاء مصالح شخصية وعائلية ونزل بثقله لحماية المتورطين في الأفعال المنافية للقانون وأزم وضعية الجامعة وبخس مكانة الفاعل الجامعي؟

كلية الحقوق بالمحمدية *

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى