
السفير 24- بقلم: مولاي إدريس الحيمر
تعيش أوروبا على وقع توترات اجتماعية متزايدة، في ظل احتجاجات تتغذى من ارتفاع الأسعار، وأزمة السكن، وتراجع القدرة الشرائية، وتنامي الشعور بانسداد الأفق، خصوصا لدى الشباب والفئات محدودة الدخل. ولم تعد هذه الاحتجاجات مجرد مطالب فئوية عابرة، بل أصبحت تعبيراً عن أزمة ثقة في السياسات الاقتصادية والاجتماعية وقدرة الحكومات على ضمان العيش الكريم.
لقد شكلت الحرب الروسية الأوكرانية، منذ عام 2022، منعطفا اقتصاديا صعبا بالنسبة إلى القارة الأوروبية، بعدما تسببت اضطرابات أسواق الطاقة وارتفاع تكاليف الإنتاج في موجة تضخمية أثقلت كاهل الأسر. ورغم تراجع معدلات التضخم في مراحل لاحقة، فإن الأسعار ظلت مرتفعة، بينما لم تواكب الأجور في قطاعات واسعة الزيادة المتراكمة في تكاليف الحياة.
وتبرز أزمة السكن باعتبارها أحد أكثر مظاهر الاختلال الاجتماعي وضوحا، إذ أصبح الحصول على مسكن مناسب تحديا حقيقيا في مدن أوروبية كبرى، من باريس وميلانو إلى مدريد ولشبونة. وأمام ارتفاع الإيجارات وصعوبة الاستقلال الاقتصادي، يتزايد شعور الشباب بأن العمل لم يعد كافياً لضمان مستقبل مستقر.
وفي خضم هذا الاحتقان، يجد اليمين المتطرف فرصة لتوسيع نفوذه عبر ربط الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بالهجرة، وتقديم المهاجرين باعتبارهم مسؤولين عن الضغط على الخدمات العامة وسوق السكن. غير أن هذا الخطاب يتجاهل تعقيد الأزمة، التي ترتبط أيضا بنقص المساكن، وضعف نمو الأجور، والسياسات الاقتصادية، وتراجع الاستثمار في بعض الخدمات العامة.
ولا يعني ذلك إنكار التحديات التي قد تطرحها إدارة الهجرة، بل إن معالجتها تقتضي نقاشاً واقعيا ومسؤولا، بعيدا عن التعميم وتحويل فئات اجتماعية بأكملها إلى شماعة تُعلّق عليها إخفاقات السياسات العامة.
وفي المقابل، تتجه بعض الحكومات إلى تشديد الإجراءات الأمنية والاستعانة بالقوات العسكرية لمواجهة الاضطرابات وأعمال العنف. ورغم مشروعية حماية المواطنين والممتلكات، فإن الحل الأمني وحده لا يستطيع معالجة جذور الأزمة؛ فلا الجنود يخفضون الإيجارات، ولا الاعتقالات ترفع الأجور أو تحسن القدرة الشرائية.
كما يطرح تصاعد الإنفاق الدفاعي في ظل استمرار الحرب الأوكرانية سؤالا مشروعا حول التوازن بين متطلبات الأمن الخارجي والحاجات الاجتماعية الداخلية، ومدى قدرة الحكومات على حماية الاستقرار المعيشي بالتوازي مع التزاماتها العسكرية والاستراتيجية.



