سياسةفي الواجهة

حين تنجح الاختيارات للأحزاب وتتعثر للمؤسسات الأمنية

حين تنجح الاختيارات للأحزاب وتتعثر للمؤسسات الأمنية

السفير 24

تتجدد، مع كل جدل يحيط بتعيين مسؤول حكومي أو إنهاء مهامه، ظاهرة تستحق التوقف عندها: حين تسير الأمور في الاتجاه الذي يخدم الصورة السياسية للحزب، ينسب الفضل إلى قيادته وقدرتها على الاختيار، لكن عندما تظهر مشكلة أو يعلن إعفاء وزير، تتسع دائرة البحث عن المسؤولية لتشمل مؤسسات لا تملك أصلا سلطة الاختيار السياسي.

إن جوهر الإشكال هنا ليس في حق المواطنين في التساؤل عن أسباب الإعفاءات الحكومية، ولا في حق الصحافة في مساءلة الأحزاب بشأن مرشحيها، بل في ازدواجية المعايير التي تحكم تفسير النتائج. فلا يمكن اعتماد منطقين مختلفين للواقعة نفسها، أحدهما يمنح الحزب كامل الفضل في الاختيار الناجح، والآخر يعفيه من المسؤولية عندما يثير الاختيار جدلا.

فالأحزاب السياسية ليست مجرد وسطاء بين المواطنين والمؤسسات، بل فاعلون أساسيون في إنتاج النخب التي تتولى المسؤوليات العمومية. ولذلك، فإن مسؤوليتها لا تتوقف عند تقديم الأسماء، وإنما تشمل أيضا القدرة على تفسير معايير الاختيار، وتوضيح الاعتبارات التي حكمته، وتحمل النقاش العمومي بشأن نتائجه.

وعندما ينتهي تعيين وزير بالإعفاء، فإن ذلك لا يثبت وحده أن الحزب ارتكب خطأ، كما لا يثبت تلقائيا وجود تقصير لدى أي مؤسسة أخرى. لكنه يبرر مساءلة المسار الذي أفضى إلى التعيين، والوقوف عند مدى كفاية المعايير التي اعتمدت قبل إسناد المسؤولية.

أما إقحام المؤسسات الأمنية في هذه المعادلة من دون دليل محدد، فيؤدي إلى نتيجة غير منطقية: فصل القرار عن صاحبه، والنتيجة عن الجهة التي اتخذت القرار، ثم توزيع المسؤولية بطريقة لا تراعي الاختصاصات الفعلية لكل طرف.

ولا يستقيم هذا المنطق حتى من زاوية الدفاع عن المؤسسات الأمنية نفسها. فالمؤسسة التي تمارس اختصاصا قانونيا محددا لا تصبح مسؤولة سياسيا عن جميع القرارات التي تتخذها جهات أخرى، كما أن ممارسة التدقيق في حدود القانون لا تعني أن صاحب الاختصاص السياسي قد فقد مسؤوليته عن الاختيار.

ومن المهم هنا عدم الخلط بين وجود معلومة لدى جهة معينة، وبين مسؤوليتها عن قرار التعيين. فإثبات أن جهة ما كانت تتوفر على معطيات معينة، إن ثبت ذلك، لا يكفي وحده لإثبات تقصيرها؛ بل ينبغي تحديد طبيعة المعلومة، ومدى صلتها بالاختصاص القانوني، والالتزامات المترتبة عليها، وما إذا كانت هناك مسؤولية محددة لم يتم الوفاء بها.

إن الاختبار الحقيقي للمسؤولية السياسية يبدأ عندما تكون النتائج غير مريحة. ففي تلك اللحظة تحديدا، يتعين على الجهات التي اقترحت الأسماء أن تقدم تفسيراتها، وأن توضح معاييرها، وأن تتحمل نصيبها من النقاش والمحاسبة.

فلا يمكن أن يكون النجاح سياسيا خالصا، بينما يصبح التعثر مسؤولية الآخرين. ومن يملك سلطة الاختيار، عليه أن يكون مستعدا لتحمل تبعاته.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى