
السفير 24 – بقلم: عزيز لعويسي
تنكشف هوية الحكومة الجديدة، بعد طول انتظار وترقب، وتنكشف معها البروفيلات التي ستركب الجرار المنصوري، أمام أنظار الحمامة الزرقاء التي حطت في مدرج المعارضة، في هبــــوط اضطراري لم يكن في البال ولا في الحسبان، شكل علامة دالة على تقلبات السياسة وأحوالها، يذكر ليس فقط، بالسقوط المدوي الذي طال مصباح البيجيدي قبل خمس سنوات، مع وجود الفارق في شدة الوقوع ودرجة الانكمـــاش ومرارة التراجع، بل ويضع عشيرة التجمعيين تحت المجهر، ويختبر قدراتهم على تجاوز ما يشبه “غدر” حلفاء الأمس”، ومراجعة الذات وتصحيح الاعوجاجات، وعلى الإبقاء على تماسك خيــــــــــــــــــوط العش التجمعي، ولملمة الجراح والتعافي واسترجاع الثقة والمصداقية …
إذا ما تركنا الحمامة الزرقاء جانبا، من اللازم التذكير أن الظرفية الراهنة، هي أكبر من الخوض في أي نقاش عديم الجدوى بشأن المنتخب الحكومي الجديد، اعتبارا لحجم الانتظارات التنموية والاقتصادية والاجتماعية والمجالية والسيادية، وهذه الولاية الحكومية والتشريعية الجديدة، تأتي، كما ورد في خطاب الملك بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية، “تأتي في ظرفية استثنائية، حافلة بالفرص، التي قد لا تتكرر، لمواصلة الإنجازات في مختلف المجالات. وإننا، يضيف جلالته، “ننتظر أن تشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة، منعطفا حقيقيا لمواصلة طموح المغرب، كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، في توازن وانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية”.
الراكبون في الجرار القدامى منهم أو الجدد، مطالبون بإنتاج خطاب الجدية والمسؤولية، والانخراط المواطن في خدمة قضايا الوطن وانتظارات المواطنين، بتضحية وأمانة ونزاهــة واستقامة ونكـــران ذات، استحضارا لحجم اليأس المستشري وسط شرائح واسعة من المجتمع، سيما في أوساط الجيل الصاعد من الشباب، الذي دق ناقوس الخطر في أحداث الهروب الكبير نحو الثغر المحتل، وقبله خلال ما وصف بأحداث “جيل زيد”، واعتبارا لما آلت إليه القدرة الشرائية من تراجع وتدهور مثير للقلق، في ظل ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وجبروت المحروقــات، بآثارها السوسيواقتصادية والمعيشية …
الخطاب الملكي المذكور، وضــع خارطة الطريق أمام الحكومة الجديدة، التي يتعين عليها، علاوة على إنتاج قرارات وإجراءات استعجالية صانعة للأمل وداعمة للقدرة الشرائية، و”تسريع المشاريع المبرمجة، في البنيات التحتية”، الانخراط المسؤول في “إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، لاسيما في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي”، و”التعجيل بتطوير قدرات المملكة، في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية”، و”وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، واهتمامات هيئات الحكامة، من خلال وضع تصور متكامل، يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي”، بما “يعزز الثقة في قدرتهم على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص التي يوفرها لهم، لبناء مستقبل أفضل، في ظل الحرية والكرامة والاستقرار”.
الملك محمد السادس، وفي إطار “الصلاحيات الدستورية الموكولة لجلالته، وحرصه المولوي على ضمان حسن سير المؤسسات الدستورية”، سبـق أن استقبل بتاريخ 14 أكتوبر الجاري، رئيسة الحكومة، السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، التي أطلعت جلالته، كما ورد في بلاغ للديوان الملكي، على “مُختلَف المراحل التي قطعها مسار تشكيل الحكومة”، مؤكدا بمناسبة هذا الاستقبال، “على ما تتطلبه المرحلة المقبلة من تعبئة شاملة، وأداء حكومي جاد ومسؤول، استحضارا لحجم الرهانات والتحديات والانتظارات، وفي مختلف المستويات”.
وعليه، لا يهم اليوم، من ركب الجرار المنصوري، ولا من اختار الاصطفاف في خندق المعارضة طوعا أو اضطرارا، المهم أن تكــون الولاية الحكومية والتشريعية الجديدة، مطبوعة بالأداء الجاد والمسؤول، بعيدا عن خطاب الشعبوية واليأس و”المعاطية السياسية” و”التحدي” والاستقواء”، كما حدث في الولاية الحكومية والتشريعية السابقة، وموسومة بالقرارات الشعبية، الدافعة في اتجاه استرجاع الثقة المفقودة في الدولة والمؤسسات، وتقوية اللحمة الوطنية، في سياق داخلي وخارجي، يقتضي وحدة الصف والتعبئة الشاملة والتمسك بثوابت الأمة الجامعــة، وفي هذا الإطار، فالرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة، هو” العمل الميداني، على المستوى الترابي، بالوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها” كما ورد في الخطاب الملكي أمام أعضاء البرلمان.
أخيرا وليس آخرا، سيكون من غير اللائق توزيع صكوك المعارضة على الحكومة الجديدة، ومن غير الصواب، الانخراط المبكر في مهاجمتها من طرف المعارضين باختلاف ألوانهم وانتماءاتهم السياسية، والأخلاق السياسية، تقتضي منحها فرصة الإعلان عن البرنامــج الحكومي، لرصد ميولاتها واتجاهاتها، ومــدى إرادتها في التعبير عن الانتظارات والتطلعات، وتعقب مدى جديتها ومسؤوليتها، في الوفــاء بالعهود والالتزامات، وفي التعاطي الإيجابي، مع عدد من الملفات الاجتماعية التي لم تسلم من الجدل والاحتقان، على رأسها التعليم والصحة والشغل، وإذا لم تبل البــلاء الحسن، وهذا ما لا نتمناه، ستكـــون ليس فقط، أمام نيـــران معارضة البرلمان، بل وفي صلب زوابع احتقان، لا أحد يدرك مداها ومنتهاها… ، وفي المجمل، فالاعتزاز بالوطن، كما ورد في ذات الخطاب الملكي، “ليس من أجل التباهي، والتعبير عن الرضى عن النفس؛ بل هو الحافز الذي يحول الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني” .



