في الواجهةمجتمع

فضيحة استخباراتية أم دعاية سياسية؟ رواية الـ61 مغربيا تضع النظام الجزائري في مرمى الانتقادات

فضيحة استخباراتية أم دعاية سياسية؟ رواية الـ61 مغربيا تضع النظام الجزائري في مرمى الانتقادات

السفير 24

في مشهد يعيد إلى الواجهة الجدل حول توظيف الملفات الأمنية في الصراع السياسي بين الجزائر والمغرب، أثارت الرواية التي تحدثت عن توقيف 61 مواطنا مغربيا بمدينة وهران، بدعوى الاشتباه في التخطيط لأعمال تخريبية، تساؤلات بشأن طبيعة المعطيات المقدمة ومدى كفايتها لإقناع الرأي العام.

فبدلا من الاكتفاء بسرد الاتهامات وتقديم مشاهد مصورة لجوازات سفر وهواتف محمولة، تظل الحاجة قائمة إلى معطيات دقيقة وأدلة قابلة للتحقق، توضح حقيقة القضية وتفاصيلها، بعيداً عن الإثارة الإعلامية والأحكام المسبقة.

إن القضايا الأمنية الخطيرة لا تحسم بضخامة الأرقام ولا بالصور المنتقاة بعناية أمام الكاميرات، وإنما بما تتضمنه الملفات من قرائن واضحة وأدلة يمكن إخضاعها للفحص، مع احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.

وإذا كانت السلطات الجزائرية تعتبر أن الأمر يتعلق بقضية أمنية ذات خطورة استثنائية، فإن مسؤوليتها تقتضي تقديم توضيحات دقيقة ومتماسكة، بدل ترك المجال مفتوحا أمام التأويلات والتساؤلات التي قد تجعل الرواية الرسمية موضع تشكيك.

حين تتحول الاتهامات إلى عناوين مثيرة، تصبح الأدلة هي الاختبار الحقيقي لمصداقية الرواية الرسمية. فلا يمكن تحويل مجرد الاشتباه إلى إدانة، ولا اعتبار الصور المعروضة دليلاً كافياً على وجود مخطط تخريبي، ما لم تدعمها وقائع موثقة ومسار قضائي واضح.

وفي ظل التوتر المستمر بين الرباط والجزائر، يطرح هذا الملف سؤالاً أكبر من مجرد توقيف أشخاص: هل يتعلق الأمر بتقديم معطيات أمنية مكتملة للرأي العام، أم أن طريقة عرض القضية تساهم في تغذية خطاب التخويف من المغرب؟ سؤال مشروع لا يمكن حسمه بالشعارات، بل بالوقائع والأدلة المستقلة.

فالمملكة المغربية ليست مطالبة بالدخول في سجال يومي مع كل رواية تصدر من الجارة الشرقية، كما أن مصالح المواطنين المغاربة وكرامتهم تقتضيان التعامل مع مثل هذه الادعاءات بالجدية اللازمة، مع المطالبة بكشف الحقيقة كاملة وضمان الحقوق القانونية للمعنيين.

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي مؤسسة استخباراتية هو الاعتقاد بأن تكرار الاتهامات كفيل بتحويلها إلى حقائق، أو أن توجيه الأنظار نحو الخارج يمكن أن يغني عن تقديم أجوبة مقنعة بشأن الملفات المطروحة. فالمصداقية الأمنية لا تُبنى على الضجيج، بل على دقة المعلومات ونجاعة العمل والقدرة على إثبات الادعاءات.

أما تحويل المغرب إلى متهم جاهز في كل رواية مثيرة، فإنه لا يخدم الاستقرار الإقليمي، ولا يساعد على بناء علاقات قائمة على حسن الجوار، بل يكرس مناخ الشك والتوتر ويزيد من اتساع الهوة بين الشعبين المغربي والجزائري.

الخلاصة أن زمن تسويق الروايات دون أدلة مقنعة لم يعد يمر بسهولة. ففي عصر تتعدد فيه مصادر المعلومات، لم تعد المشاهد المصورة والعناوين النارية كافية لإقناع المتابعين، بل أصبحت المصداقية رهينة بالشفافية والحقائق القابلة للتحقق.

وإذا كانت الرواية المتداولة بشأن توقيف 61 مغربياً تستند إلى أدلة ثابتة، فإن تقديمها في إطار قانوني واضح هو السبيل لإثبات ذلك. أما إذا ظلت الاتهامات أكبر من المعطيات المنشورة، فإن علامات الاستفهام ستظل قائمة، وستبقى الدعاية السياسية عاجزة عن تعويض ما تحتاج إليه أي رواية أمنية من أدلة دامغة.

 

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى