
السفير 24- محمد بلفلاح
لم يعد رهان تأهيل واحات زاكورة مرتبطاً فقط بحجم الأموال التي جرى ضخها في البرنامج، وإنما أصبح مرتبطاً بمدى قدرة مختلف المتدخلين على تحويل هذه الاستثمارات إلى مشاريع منجزة على أرض الواقع، خصوصاً في ظل تأخر ملموس في إحدى أهم مراحل العملية، والمتعلقة بإعداد حفر غرس فسائل النخيل.
فخلال الفترة الممتدة من ماي إلى شتنبر 2026، جرى إطلاق 45 صفقة ضمن برنامج تأهيل وتهيئة واحات إقليم زاكورة للفترة 2026–2029، بغلاف مالي يناهز 13 مليار سنتيم، في خطوة تعكس حجم الرهان المؤسساتي على إنقاذ وتأهيل المجالات الواحية بالإقليم وتعزيز قدرتها على الصمود والاستمرار.
المعطيات التي جرى تداولها خلال اجتماع عقده عامل الإقليم محمد علمي ودان، الخميس فاتح أكتوبر بمقر العمالة، أظهرت أن التدخلات لا تقتصر على غرس النخيل أو تعويض الأشجار الميتة، بل تشمل منظومة واسعة من المشاريع المرتبطة بالواحات، من بينها حفر الآبار الجماعية، وتجهيزات السقي، والمنشآت المائية، وتهيئة المسالك، فضلاً عن دعم التعاونيات والأنشطة المرتبطة بتربية الماشية والنحل.
وتتركز المرحلة الحالية خصوصاً في واحات تسركات بجماعتي تانسيفت وترناتة، وواحة بني صبيح التابعة لجماعة تاكونيت، حيث ينتظر أن تساهم المشاريع المبرمجة في تحسين البنية الأساسية للإنتاج وتقوية الوسائل المتاحة أمام الفلاحين لمواجهة الإكراهات التي تواجه المجال الواحي.
لكن الأرقام المتعلقة بوتيرة الإنجاز كشفت في المقابل عن واحدة من أبرز نقاط الضعف التي قد تعيق البرنامج. فحفر المواقع المخصصة لغرس الفسائل، وهي مهمة موكولة إلى الفلاحين المستفيدين، لم تتجاوز نسب إنجازها ما بين 2 و4 في المائة، وهو مستوى يطرح أكثر من علامة استفهام حول احترام الآجال المرتبطة بعملية الغرس.
وبذلك، انتقل النقاش من سؤال التمويل إلى سؤال التنفيذ: هل تكفي تعبئة 13 مليار سنتيم وإطلاق عشرات الصفقات لضمان نجاح برنامج تأهيل الواحات، أم أن الحلقة الحاسمة توجد في قدرة المستفيدين على مواكبة المشاريع والالتزام بالجزء الملقى على عاتقهم؟
عامل الإقليم ركز، خلال الاجتماع، على هذه النقطة تحديداً، مؤكداً أن انخراط المستفيدين يشكل شرطاً أساسياً لإنجاح البرنامج، مع دعوة مختلف الأطراف إلى تحمل مسؤولياتها وتسريع وتيرة العمل.
ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة في المشاريع التي تستهدف إعادة تشكيل المشهد الزراعي للواحات، لأن غرس فسائل النخيل لا يمكن أن يظل منفصلاً عن توفير شروط الاستدامة، وفي مقدمتها الماء، وتجهيزات السقي، والقدرة على صيانة المغروسات ومواكبتها خلال مراحل النمو.
ومن هنا أيضاً جاء توجيه المصالح المعنية، عند الإعداد لبرنامج سنة 2027، إلى اعتماد توفر الموارد المائية واستعداد الفلاحين كمعيارين أساسيين لاختيار المناطق الجديدة المستفيدة. وهو توجه يجعل من قابلية المشروع للاستمرار شرطاً يسبق مجرد إدراجه ضمن لائحة الاستثمارات.
وفي جانب آخر من البرنامج، برزت أهمية تقوية حضور النساء المستفيدات من مشاريع تربية الماشية، من خلال إشراكهن في الاجتماعات المقبلة وتنظيم دورات تكوينية لفائدتهن بتنسيق مع المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية والمكتب الوطني للاستشارة الفلاحية.
كما يحضر البعد الاقتصادي في البرنامج من خلال دعم التعاونيات وإحداث وحدات لتثمين مخلفات النخيل، بما يفتح المجال أمام تحويل جزء من مخلفات الواحات إلى موارد قابلة للتثمين، بدل بقائها عبئاً على المجال الزراعي والبيئي.
وبين الاعتمادات المالية المرصودة، والمشاريع المبرمجة، والإكراهات المرتبطة بالماء والانخراط الفعلي للفلاحين، تبدو واحات زاكورة اليوم أمام مرحلة دقيقة من مسار التأهيل. فالنجاح لن يقاس بعدد الصفقات المبرمة أو حجم الأموال المصروفة، وإنما بمدى ظهور نتائجها في الميدان: نخيل جديد يعوض المتضرر، وشبكات وتجهيزات مائية أكثر نجاعة، ومسالك تخدم المنتجين، وتعاونيات قادرة على خلق قيمة مضافة، وفلاحون منخرطون فعلياً في الحفاظ على الواحات.
وبذلك، فإن التحدي المطروح خلال المرحلة المقبلة سيكون هو الانتقال من منطق إطلاق المشاريع إلى منطق قياس أثرها واستدامتها، خصوصاً أن مستقبل أي توسع جديد في البرنامج سيظل مرتبطاً بمدى توفر الماء، وجاهزية المستفيدين، وقدرة مختلف المتدخلين على الوفاء بالتزاماتهم في الآجال المحددة.



