في الواجهةسلسلة شهداء حرب الصحراء

لماذا ندافع عن أرامل شهداء حرب الصحراء المغربية وعن معنويات قواتنا المسلحة الملكية؟

لماذا ندافع عن أرامل شهداء حرب الصحراء المغربية وعن معنويات قواتنا المسلحة الملكية؟

السفير 24 | بقلم: بنان محمد – إبن شهيد  القوات المسلحة االملكية

إن من المفارقات الغريبة التي تثير الانتباه هي أن الكل يبارك الجيش والوحدة الترابية، ويمجد الدفاع عن الوطن بالغالي والنفيس، والكل ينادي: الصحراء مغربية والمغرب في صحرائه، وهذا أمر واجب ومطلوب، لأن حب الأوطان من الإيمان.
لكن حين استشهد الجندي في حرب الصحراء وهو يدافع عن الوطن، يتم نسيان أسرته ويترك أبناءه ليعيشوا الجحيم. طبعاً، هناك قوانين وأوامر ملكية سامية لصالح الأرملة واليتيم، لكن لم يتم تفعيلها في الواقع الملموس، وهي مجرد قرارات تعترضها عراقيل كثيرة في التنفيذ.
طبعا، نسمع الدعاء والرحمة في الخطابات الرسمية في الأعياد الوطنية، لكن على المستوى الفعلي، أسرة الشهيد تعيش الظلم والفقر، ظلم ثنائي القطب من الدولة والمجتمع الحقوقي والسياسي. إننا نعيش نفاقاً قاسياً، وهو الفرق الكبير بين الخطاب الرسمي والواقع.
ففي الوقت الذي تحتفي فيه الجهات الرسمية في كل فرصة وحين بالشهيد، مما يوحي للمتلقي أن كل شيء على ما يرام، نجدها فعلياً تمارس على أسرته كافة أشكال التهميش والقهر الرسمي، مستغلة في ذلك امتلاكها للقوة العمومية وإمكانيات الدولة.
إن من غرائب الأمور أنه، وبعد أكثر من أربعين سنة على استشهاد الجنود في حرب الصحراء المغربية المجيدة، لا تزال الكثير من أسرهم لم تتوصل بحقوقها إلى حد كتابة هذه الخربشات، ولا تزال الجهات الرسمية تمرر نفس الخطاب، وهو أننا نجري تحقيقات اجتماعية، وندرس هذا الملف، وهو قيد الدرس، وأننا ننتظر الأوامر من الأعلى.
فكيف يعقل أن يبقى الملف في طور التسوية لأكثر من أربعين سنة، مع العلم أن الجيش المغربي يتوفر على مؤسسة اجتماعية تغطي كافة التراب الوطني، وإمكانيات بشرية ومادية رائدة على المستوى العربي والإفريقي، بل وأصبحت تقدم خدمات إنسانية في دول أخرى؟ إذن، أين الخلل؟
الأوامر الملكية موجودة وصارمة، سواء في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، طيب الله ثراه، أو في عهد الملك محمد السادس، نصره الله، وكذا الإمكانيات المادية موجودة، بالإضافة إلى أن كل القيادات العسكرية المغربية وحكماء الأمن القومي المغربي متفقون على ضرورة إعطاء الحقوق لأسرة الشهيد وغلق الملف نهائياً، لما له من تأثير مباشر على معنويات قواتنا المسلحة الملكية وسمعة الجيش.
كما أن الأميرة للا مريم، رئيسة المصالح الاجتماعية، في كل اجتماعاتها تؤكد على ضرورة إيلاء هذه الفئة الاهتمام. إذن، من هي هذه الجهة القوية التي تمكنت من الالتفاف على الأوامر الملكية والمناورة بذكاء كل هذه السنين من أجل عدم تمكين أسرة الشهيد من حقوقها؟
لماذا، حين يموت رجل الأمن أو رجل التعليم أو أي قطاع آخر، تمكَّن أسرته من حقوقها كاملة بسلاسة وصمت، وحين يستشهد الجندي في حرب الصحراء وهو يدافع عن الوطن، تدخل أسرته في غيابات المراسلات والاستعطافات والوقفات الاحتجاجية، وتضطر للخروج إلى الشارع وإلى الصحافة من أجل المطالبة بحقوقها، إلى درجة أن القاصي والداني أصبح يعلم معاناة أرامل الشهداء في هذا الوطن؟
لماذا لا تمكَّن من حقوقها التي يكفلها القانون والأوامر الملكية السامية، وتعيش بسلام بعيداً عن الأضواء؟
لماذا يتم التخلي عن ابن الشهيد ويضطر للاحتجاج في الشارع العام من أجل الشغل في وطن أبوه مات من أجل كرامته، ويضطر للاصطدام مع القوات الأمنية، مع ما لذلك من خطورة على مستقبله المهني، بحيث قد يصبح موضوعاً لتحقيقات أمنية يمكن أن تجعله persona non grata أو enquête défavorable في الوظيفة العمومية؟
وطبعاً، أغلب جيل السبعينات والثمانينات من أبناء الشهداء حُرموا من ولوج الوظيفة العمومية رغم كفاءتهم العلمية، ولحد الآن لم يعرفوا السبب، رغم ما تروجه الجهات الرسمية من أن لابن الشهيد الحق في 25% من المناصب في المباريات.
وهي مجرد وهم وضحك على الذقون، وأسر الشهداء يعرفون أن هذا القانون كان له أثر عكسي في المباريات ولعب ضدهم، بحيث في كثير من الأحيان يتم استبعاد ابن الشهيد بمجرد العلم بأنه يتيم الجيش.
وهذه معاناة عايشناها، وبالتجربة الفعلية كنا كثيراً ما نضطر إلى إخفاء صفة أن الأب استشهد في حرب الصحراء وله وسام النجم الحربي، خوفاً من التعرض للاضطهاد أو الإقصاء، في حين كان يفترض أن تكون لدينا الأسبقية بصفة ابن الشهيد، لا أن نتعرض للإقصاء والظلم بسبب استشهاد الأب، وكأنه ارتكب جريمة حين استشهد في سبيل الوطن.
إننا لا ندافع عن أسرة الشهيد لأنه مال اليتيم، ويحرم شرعاً على المسؤول أخذه أو تحويله إلى جهة أخرى، لأن عقاب أكل مال اليتيم عند الله هو نار في البطون، والله قادر مقتدر.
ولا ندافع عن أسرة الشهيد للحصول على مكاسب مادية، لأن ما وقع قد وقع، نُهبت الحقوق والمأذونيات، وضاعت حياة وأعمار، والأرامل جلهن متن وألسنتهن تدعو، ومن بقي منهن وصلن من العمر عتياً بأمراض مزمنة، لا يطلبن إلا الستر.
وهن اللواتي حُرمن في أواخر العمر حتى من حق الدعم للذهاب لحج بيت الله الحرام في القرار الأخير لمؤسسة الحسن الثاني لقدماء المحاربين بالنسبة لمن رست عليهم قرعة وزارة الأوقاف، وكأن المؤسسة تلاحقهم حتى في أواخر العمر لتحرمهم حتى من فريضة الحج.
ولا ندافع عن أبناء الشهداء الذين شاخوا في البطالة الفعلية أو المقنعة، خوفاً على المسؤولين عن هذا الظلم من لعنة دم الشهيد وتراب الوطن وطاقتهما الرهيبة التي تطارد المقصرين في سلامهم وسلامتهم.
بل إننا ندافع عن حقوق شهداء قواتنا المسلحة الملكية، وقد أدينا الثمن غالياً من أعمارنا وصحتنا ومستقبلنا المهني في سبيل هذا الملف، فقط لنقول للعالم ولقواتنا المسلحة الملكية الباسلة بأننا لن نفرط في الحقوق، وأن الحقوق ستعود لأصحابها، وأن ما حدث لأسر الشهداء في الماضي من معاناة وظلم رسمي لن يتكرر، وسيتم إصلاحه وسيتم جبر الضرر والخواطر.
يجب أن تبقى معنوياتكم مرتفعة كما كانت دائماً، والوطن لن يتخلى عن أبنائكم، ومن سيحارب من أجل المغرب فليكن واثقاً بأن أبناءه سيكونون في أيدٍ أمينة، لن تضيع حقوق بعد الآن.
ووصية المرحوم الحسن الثاني، التي قال فيها: «يجب أن يذهب الجندي إلى الحرب وهو مطمئن على أسرته»، سيتم تنفيذها، لأن الوطن أكبر من الفساد ومن المصالح الشخصية.
وأملنا كبير في أن ينفذ الجيل الجديد من القيادات العسكرية المغربية الأوامر الملكية بإخلاص وبشكل مستعجل، بدل التماطل غير المبرر لأجيال من المسؤولين، لأن القضية قضية تتعلق بالأمن القومي المغربي، وقد أدى المغرب ثمن هذه الأغلاط غالياً من أمنه وقوته ومعنوياته.
ولا يعقل أن يستمر الأمر على هذا الحال. يجب غلق الملف وجبر الخواطر والضرر.
فما يجب أن يعلمه المسؤولون عن الملف هو أنه لا يمكن لأي مسؤول، مهما امتلك من وسائل القوة العمومية ومهما بلغت رتبته، أن يهزم الأرملة واليتيم، ولا أن يهزم قوة دم الشهيد.
فلا داعي للعناد أو الرهان على عامل الوقت لإقبار الملف، أو إعطاء حقوق وهمية غير نافعة، مثل بطاقة الترامواي أو التخفيض في قطار «تي جي في»، لأن أغلب أسر الشهداء يتواجدون في السهول والأودية وعلى قمم الجبال في مناطق تازة وواد نون وأيت بعمران وأيت وراين وغيرها.
يريدون حقوقهم الفعلية، وليس بطاقة الترامواي التي لا تنفع إلا في الرباط والدار البيضاء.
نتمنى أن تُعطى الحقوق لأصحابها باحترام، وأغلقوا هذا الملف. أوقفوا، من فضلكم، نزيف الوطن، وارفعوا عالياً معنويات قواتنا المسلحة الملكية الباسلة.
فهدفنا من كل هذا الجهد هو أن يدخل الجيش المغربي أي حرب مقبلة بمعنويات مرتفعة، وهو واثق بأن أبناءه سيكونون في أيدٍ أمينة، وهذا ما سيكون بإذن الله.
والحمد لله رب العالمين.
مدون مهتم بشؤون الأمن القومي*

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى