
السفير 24
في مواجهة تعيد إلى الواجهة إشكالية العلاقة بين السياسي والإعلامي، وجد الزميل إدريس شحتان، مدير قناة “شوف تيفي” ورئيس الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، نفسه في مرمى تصريحات وهجوم صادر عن محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية ووزير الشباب والرياضة الأسبق، وهي تصريحات تجاوزت، بحسب ما اعتبره شحتان، حدود النقد والاختلاف في الرأي إلى اتهامات شخصية تمس سمعته واعتباره المهني.
والحقيقة أن الاختلاف بين السياسي والصحافي ليس جريمة، بل هو من صميم الحياة الديمقراطية. بل إن الصحافة الجادة لا يمكن أن تكون مجرد منصة للتصفيق للمسؤولين، وإنما وظيفتها الأساسية هي طرح الأسئلة، ممارسة النقد، مساءلة أصحاب القرار ووضع الوقائع أمام الرأي العام. غير أن الخلاف يفقد معناه الديمقراطي عندما يتحول إلى تجريح أو تشهير أو اتهامات لا تسندها أدلة واضحة.
ومن هذه الزاوية، فإن موقف شحتان يستحق التوقف عنده، لأنه لم يختر الرد بمنطق المزايدات أو المعارك الافتراضية، ولم يحاول تحويل القضية إلى حفلة لتبادل الاتهامات، وإنما اختار الطريق الذي يفترض أن يكون الفيصل في مثل هذه القضايا، القانون والقضاء.
فحين تكون هناك اتهامات خطيرة، فإن مكانها الطبيعي ليس المنصات ولا مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما أمام المؤسسات المختصة، حيث يمكن لكل طرف أن يقدم ما لديه من وثائق وحجج، ويترك للقضاء مهمة تحديد المسؤوليات. وهذه ليست علامة ضعف من الصحافي، كما قد يحاول البعض تصويرها، بل هي في حد ذاتها تعبير عن الثقة في القانون والاستعداد لتحمل المسؤولية كاملة.
وشحتان، بما راكمه من سنوات في مجال الصحافة والإعلام والنشر، يعرف جيدا أن الكلمة مسؤولية، وأن المهنة الصحافية ليست امتيازا يمنح صاحبها حصانة من المحاسبة.. لكنه يعرف في المقابل أن الصحافي ليس مواطنا من درجة ثانية، وأن كرامته وسمعته المهنية والشخصية محميتان بالقانون، وله كامل الحق في الدفاع عنهما عندما يشعر بأنهما تعرضتا للمساس.
والأكثر أهمية أن القاعدة ينبغي أن تكون واحدة للجميع، السياسي ليس فوق النقد، والصحافي ليس فوق القانون، وفي الوقت نفسه لا يجوز تحويل الاختلاف السياسي أو الإعلامي إلى رخصة لاستهداف الأشخاص والنيل من سمعتهم.
ومن المفيد، في هذا السياق، التذكير بأن محمد أوزين نفسه شخصية سياسية عمومية ظلت لسنوات في دائرة الضوء، وأن اسمه ارتبط بقضية ملعب الرباط المعروفة إعلاميا بـ”فضيحة الكراطة”، والتي انتهت في يناير 2015 بإعفائه من منصبه وزيرا للشباب والرياضة.. واستحضار هذه الواقعة لا ينبغي أن يتحول إلى تصفية حسابات أو إعادة محاكمة إعلامية، وإنما يذكر فقط بأن من اختار المجال السياسي يعلم، أكثر من غيره، أن العمل العام يضع صاحبه باستمرار تحت مجهر الإعلام والرأي العام.
فالسياسي الذي يطالب الصحافي بالدقة والمسؤولية مطالب بدوره بالدقة والمسؤولية نفسها، خصوصا عندما يتناول أشخاصا بأسمائهم ويوجه إليهم اتهامات يمكن أن تمس صورتهم وسمعتهم.. وفي دولة المؤسسات، لا يمكن أن تكون قوة الموقع السياسي بديلا عن قوة الدليل، ولا أن تتحول المنابر الإعلامية إلى محاكم تصدر الأحكام دون وثائق أو قرائن.
أما شحتان، فقد اختار أن يجعل من القضاء مساحة للفصل في هذا النزاع، وهي خطوة ينبغي التعامل معها باحترام، لأنها تنقل القضية من منطق “من يرفع صوته أكثر؟” إلى منطق “من يملك الحجة والدليل؟” .
وهنا تحديدا يكمن جوهر المسألة، الاتهام لا يصنع الحقيقة، وارتفاع الصوت لا يصنع الدليل، والموقع السياسي لا يمنح صاحبه حق المساس بكرامة الآخرين.
وإذا كان لدى أوزين ما يثبت صحة ما نسبه إلى شحتان، فإن القانون يتيح له كامل الوسائل لعرضه أمام الجهات المختصة.. وإذا كان شحتان يؤكد أن ما صدر في حقه يتضمن تجاوزا للقانون، فمن حقه كذلك أن يلجأ إلى القضاء للدفاع عن نفسه. وفي الحالتين، يكون الاحتكام إلى المؤسسات أفضل ألف مرة من ترك المجال لمعارك إعلامية وشخصية لا يستفيد منها أحد.
لقد اعتاد البعض، للأسف، أن ينظر إلى الصحافي باعتباره الحلقة الأضعف، وأن يعتقد أن مهاجمة صاحب القلم كفيلة بإسكاته.. لكن الصحافة الحقيقية لا تقاس بعدد الصراخ في وجهها، وإنما بقدرتها على الصمود أمام الضغط والاحتكام إلى القانون والوقائع.
ولذلك، فإن دفاع شحتان عن نفسه لا ينبغي تقديمه باعتباره معركة شخصية فقط، بل باعتباره أيضا دفاعا عن مبدأ أوسع، حق الصحافي في أن يسأل وينتقد وينشر، وحقه في الوقت نفسه في حماية سمعته عندما يتحول الرد عليه إلى اتهامات شخصية.
وفي نهاية المطاف، لا يحتاج الأمر إلى كثير من الضجيج.. هناك اتهامات، وهناك رد، وهناك قانون. والفيصل الحقيقي ليس “مول الكراطة” ولا “صاحب القلم” ، وإنما مول الدليل.
فإذا كان هناك ما يثبت، فليقدم أمام القضاء، وإذا لم يكن هناك ما يثبت، فإن الاتهام يظل مجرد كلام لا يرقى إلى مرتبة الحقيقة.. وبين هذا وذاك، تبقى الصحافة الحرة والقضاء المستقل واحترام كرامة الأشخاص هي الضمانات التي ينبغي أن ينتصر لها الجميع، سياسيين وصحافيين ومواطنين.
وشحتان، باختياره المواجهة بالقانون، لم يختر الطريق الأسهل، لكنه اختار الطريق الأكثر مهنية واحتراما للمؤسسات. والآن، كما يقال في لغة القانون، البينة على من ادعى.



