
السفير 24 – هشام بلحسين
ليس سؤالًا في العقيدة، بل سؤالٌ ولدته الدهشة. ففي زمن أصبحت فيه كرة القدم صناعةً بمليارات الدولارات، وجيوشًا من خبراء التسويق، وآلاتٍ إعلاميةٍ لا تتوقف عن صناعة النجوم، ظهر منتخب اسمه Morocco، لم يشترِ حب الناس، بل انتزعه بأقدام لاعبيه. وما حدث في مباراة المغرب وهولندا لم يكن مجرد تأهل بركلات الترجيح، بل كان مشهدًا يستحق أن يُقرأ أكثر مما يُشاهد. فمن يتجول بين منصات التواصل الاجتماعي يلاحظ أن التشجيع تجاوز حدود المغرب، وأن موجة واسعة من الدعم جاءت من جماهير في دول عربية وإفريقية وآسيوية، ومن مشجعين محايدين في أماكن أخرى من العالم، وكأن هذا المنتخب لم يعد يمثل المغاربة وحدهم، بل أصبح يمثل فكرة يؤمن بها كل من يعشق كرة القدم الصادقة.
والأكثر إثارة أن هذا التعاطف ظهر حتى بين جماهير في بعض البلدان التي اعتاد جزء من إعلامها أو خطابها السياسي تقديم صورة سلبية عن المغرب. لكن عندما انطلقت المباراة، تراجعت كل الروايات أمام الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن تزويرها… حقيقة ما يحدث داخل المستطيل الأخضر. فالجماهير لا تصفق للخطب، ولا تهتف للدعاية، بل تنحاز لمن يفرض احترامه بالعمل والإنجاز.
هنا يبدأ الاستثناء المغربي. فالمغرب لم يطلب من العالم أن يحبه، ولم يبحث عن التصفيق، ولم يرفع شعار “شجعونا”. دخل الملعب فقط، وترك الأداء يتحدث، حتى تحول من منتخب يبحث عن مكان بين الكبار إلى منتخب ينتظر ملايين المشجعين انتصاره. وهناك فرق كبير بين أن يخافك منافسك، وأن يحبك المشجع المحايد. الأول تصنعه القوة، أما الثاني فلا يصنعه إلا الصدق.
ولهذا لم يعد غريبًا أن ترى العلم المغربي يُرفع في أماكن بعيدة، أو أن تجد مشجعًا لا يعرف العربية يحتفل بفوز المغرب، أو أن تمتلئ الصفحات برسائل الدعم من أشخاص لا تجمعهم بالمغرب لغة ولا حدود. فمحبة الشعوب لا تُشترى، ولا تُفرض، ولا تُصنع في غرف الدعاية، بل تولد عندما يتحول الإنجاز إلى لغة يفهمها الجميع.
لذلك، عندما يسأل الناس على سبيل المجاز: “ماذا بينك وبين الله يا Morocco حتى أحبّتك الشعوب؟” فإنهم لا يبحثون عن جواب غيبي، بل يعبرون عن دهشتهم من ظاهرة يصعب تفسيرها بالسياسة أو الإعلام أو المال. فهناك منتخبات تملك الكؤوس، وهناك منتخبات تملك النجوم، لكن قليلًا منها يملك القلوب. وربما لهذا أصبح المغرب أكثر من منتخب… أصبح قصةً يعشقها الملايين، لأن القلوب لا تنحاز لمن يملك كل شيء، بل لمن يُثبت أنه يستحق كل شيء.



