في الواجهةكتاب السفير

بأي صفة؟.. حين يصبح استعمال اسم الطريقة تحديا لمؤسسات الدولة

بأي صفة؟.. حين يصبح استعمال اسم الطريقة تحديا لمؤسسات الدولة

le patrice

السفير 24 | ذ. عبد الفتاح العقيلي الدار البيضاء

نص نظيف.. وأسئلة في مكان آخر

‏نُشر اليوم خبرُ ندوة علمية تُعقد بالرباط للاحتفاء بالرسالة الملكية السامية حول ذكرى ميلاد الرسول الأعظم ﷺ. والنص، في ظاهره، لا غبار عليه: لغة موزونة، ومعجم مؤسساتي محكم، وثناء مستفيض على إمارة المؤمنين ودورها في صيانة الثوابت الدينية للمملكة. ولو وقف الأمر عند حدود النص لما كان ثمة ما يقال.

‏غير أن نظافة الشكل لا تجيب عن أسئلة الجوهر، بل قد تكون أحيانا وسيلة لتغطيتها. فالأسئلة الحقيقية ليست فيما قاله البلاغ، بل فيما فعلته الملصقة: من ينظم؟ وباسم من؟ وبأي شعار؟ وبعد اثني عشر يوما من ماذا؟

ما جرى في 31 ماي يغير كل شيء

‏في 31 ماي 2026، نشرت منصة «معالم الأوقاف» التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية — وهي الجهة الوصية على تدبير الشأن الديني تحت إمرة أمير المؤمنين — سلسلة شيوخ الطريقة القادرية البودشيشية، وختمتها بعبارة لا تحتمل التأويل: «الشيخ سيدي معاذ، وهو الشيخ الحالي للطريقة».

‏منذ ذلك التاريخ، لم يعد السؤال «من يتحدث باسم الطريقة؟» سؤالا مفتوحا، بل سؤالا أُجيب عنه رسميا، وعلنيا، وبتاريخ موثق. وما يأتي بعد هذا الجواب لم يعد من باب الخلاف الداخلي الذي تتعدد فيه القراءات، بل من باب آخر تماما: باب التحدي.

حر وبرد من فم واحد

‏ولنتأمل التسلسل الزمني كما هو، دون زيادة:
‏في 31 ماي، تنشر المنصة الرسمية للوزارة الوصية ما نشرت. وفي الأيام التي تلت، تُشن عبر منابر إعلامية معروفة التوجه حملة غير مسبوقة في عنفها على وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية شخصا ومؤسسة، بلغت حد الطعن والتجريح فيمن حظي بالثقة المولوية السامية على رأس قطاع سيادي. ثم، وقبل أن يجف مداد تلك الحملة، يُعلن يوم 10 يونيو عن ندوة تُعقد يوم 12 يونيو بمسرح المنصور بالرباط «لتثمين» الرسالة الملكية والإشادة بإمارة المؤمنين، تحت صورة جلالة الملك.

‏فبأي منطق يستقيم هذا؟ يُهاجَم الوزيرُ حين تصدر عن مؤسسته حقيقةٌ لا تروق، ثم يُرفَع البخورُ لإمارة المؤمنين حين تدعو الحاجة إلى غطائها الرمزي. النفخ في الجمر بيد، ورفع المباخر باليد الأخرى. وهذا التناوب المحسوب بين الحر والبرد، بحسب مقتضيات الأجندة، هو وحده كاف لكشف أن الأمر لا يتعلق بتوقير صادق للمؤسسات، بل بتوظيفها ديكورا في عملية ترميم صورة. فمن يوقر إمارة المؤمنين حقا لا يطعن في الأداة المؤسساتية التي تدبر بها الشأن الديني، ومن يطعن في الأداة لا يملك بعد ذلك أن يتزين بثناء على من فوقها. وممن نسخر، في نهاية المطاف؟

انتحال بعد العلم

‏ثم نأتي إلى الأخطر. لقد كُتب على رأس الملصقة: «تنظم الطريقة القادرية البودشيشية…»، ووُضع شعار الطريقة في موضع الشرف منها.

فبأي صفة؟

‏قبل 31 ماي، كان يمكن — تجاوزا — أن يُحمل هذا الاستعمال على الخلاف الداخلي وتعدد الدعاوى. أما بعده، فقد سقط هذا العذر سقوطا نهائيا. فالجهة الوصية نفسها، التي تتشدق الملصقةُ بتثمين رسالة أمير المؤمنين الذي تعمل تحت إمرته، قد حسمت الأمر ونشرته على منصتها الرسمية. ومع ذلك يمضي تيار منير في استعمال اسم الطريقة وشعارها وكأن شيئا لم يكن، في تجاهل تام لما استقر مؤسساتيا.

‏وهذا الاستعمال، بعد العلم، يجعل صاحبه في وضعية ادعاء صفة أثبتتها المؤسسات لغيره. وليس انتحالا في مواجهة خصم داخل نزاع خاص، بل في مواجهة مؤسسات الدولة ذاتها التي أثبتت الصفة لغير المنتحل. والمفارقة التي تبلغ حد الغرابة أن هذا التحدي يُرفع تحت صورة جلالة الملك نفسه؛ والمفارقة التي تبلغ حد الغرابة أن أصحاب هذا الصنيع يتحدون ما أقرته مؤسسات إمارة المؤمنين، ثم يلتمسون لفعلهم غطاء من رمزيتها السامية. وهذا لا يخفف الفعل، بل يضاعف جسامته: فشتان بين من يستظل بالمشروعية ومن يستتر بها.
‏إلى متى؟

‏لسنا هنا بصدد مناقشة مشيخة سيدي معاذ القادري بودشيش؛ فتلك مسألة لم تعد محل لبس على المستوى المؤسساتي بعد ما صدر عن الجهة الوصية. ذلك الباب أُغلق.

‏السؤال المطروح اليوم سؤال آخر، موجه إلى المستقبل القريب: إلى متى سيستمر استعمال اسم الطريقة القادرية البودشيشية وشعارها من قبل من لم يعد له ما يخوله ذلك؟ وإلى متى سيُظن أن مؤسسات الدولة يمكن أن تُهاجَم يوما وتُستَرضى يوما، وأن قراراتها تُحترم حين توافق الهوى وتُتجاهل حين تخالفه؟

‏إن احترام إمارة المؤمنين لا يكون بالملصقات ولا بالمعجم المنتقى بعناية، بل باحترام ما يصدر عن مؤسساتها — كله، لا ما طاب منه. أما الجمع بين تحدي القرار والتغني بصاحب القرار، فلعبة مكشوفة لا تنطلي على أحد، والأيام كفيلة بأن تضع كل شيء في نصابه.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى