في الواجهةكتاب السفير

ذنوب “المواطنة الصالحة” في بلاد موليير: عندما يملك ثلث الفرنسيين عرقا نابضا بالهجرة!

ذنوب "المواطنة الصالحة" في بلاد موليير: عندما يملك ثلث الفرنسيين عرقا نابضا بالهجرة!

le patrice

السفير 24 – جمال اشبابي – باريس

كلما تابعنا نشرات الأخبار في الإعلام الفرنسي، نكاد نصدق أننا — نحن أبناء الجالية المغربية، ومعنا باقي الجاليات من مختلف الجنسيات بفرنسا — نعيش في جزر معزولة، إلى أن صدرت دراسة حديثة كشفت أن 59% من أبناء المهاجرين (الجيل الثاني) يتزوجون من “خارج القبيلة”، وأن ما يقارب نصفهم يختارون شركاء “فرنسيين أبا عن جد” بلا أي سوابق هجرية في شجرتهم العائلية. الاندماج يحدث في غرف النوم والصالونات، بعيدا عن مقصّات الرقابة وقوانين وزارة الداخلية وموجات الشحن اليومي.
لكن، وبما أننا في فرنسا، بلد السريالية والبيانات الوزارية الطنانة، فإن الجمال لا يكتمل أبدا. وهنا تكمن المفارقة التي تجعل المرء يضحك بمرارة: تأملوا معي حالة أولادنا وبناتنا من أصول مغربية، أو من مختلف الجنسيات؛ هؤلاء المساكين اقترفوا كل ذنوب “المواطنة الصالحة”. تحدثوا الفرنسية في طفولتهم بنسبة 86%، ويشعر 94% منهم بأنهم فرنسيون أكثر من “ماريان” (Marianne) نفسها. ومع ذلك، وبسحر ساحر، كلما زاد اندماجهم وثقافتهم و”فرنسة” ألسنتهم، كلما زادت حظوظهم في التعرض للتمييز والعنصرية!
إنها عبقرية “الجمهورية العميقة”: تطلب منهم أن يكونوا فرنسيين، وعندما يصبحون كذلك، تذكرهم عند باب وكالة التشغيل “France Travail”، أو عند عتبة شقة للإيجار، بأن ملامحهم، أو أسماءهم، أو ربما سحنتهم الشمال إفريقية، لا تتطابق تماما مع “الخطوط التوجيهية” للجمهورية. والمفارقة العجيبة: الآباء (الجيل الأول) الذين كانوا بالكاد يفكون الخط بالفرنسية عاشوا في هدوء نسبي، بينما الأبناء الذين يحملون شواهد الجامعات الفرنسية ويتقنون لغة موليير يطردون من الطابور لأنهم “أكثر فرنسية مما يحتمله النظام”.
ومع ذلك، وأمام هذا التناقض الصارخ، تنفست لغة الخشب الإعلامية في فرنسا الصعداء! فبينما كانت بلاتوهات الأخبار التلفزيونية تغص بخبراء “الهوية المهددة” الذين يبيتون ويصحون على رعب “الاستبدال العظيم” وجحافل المهاجرين التي ستمحو هوية فرنسا، استيقظ الجميع على صفعة باردة، جاءت هذه المرة من مكاتب المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية (Ined) ومعهد الإحصاء (Insee).
كتاب مسح “المسارات والأصول” (TeO2) صدر أخيرا، ويا للكارثة! فالأرقام جاءت عنيدة كالحمير، ولا تقرأ جرائد اليمين المتطرف قبل النوم. يخبرنا السادة الإحصائيون، بكثير من البرود العلمي والقليل من مراعاة مشاعر دعاة “النقاء العرقي”، أن ثلث فرنسا الحالية (34% على وجه الدقة) يملك عرقا نابضا بالهجرة عبر ثلاثة أجيال. بل إن هذه العدوى الديموغرافية — التي يسميها المجتمع المخملي “تنوعا” ويسميها أصحاب الياقات الزرقاء “حياة يومية” — تمتد عبر المصاهرة والزيجات المختلطة لتطال 41% من الفرنسيين في سن النشاط، ليتضح في النهاية أن المجتمع يسبق الساسة بمسافات ضوئية.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى