
السفير 24
حين يلتقي الرجل بالمؤسسة
ليست المصادفة من جمعت عبد اللطيف حموشي بالمديرية العامة للأمن الوطني في هذه المرحلة الفارقة من تاريخها، بل هي إرادة الدولة في أن يقود هذا الجهاز الأمني الحساس رجل يحمل في عروقه ثقافة المؤسسة وفي عقله رؤية المستقبل. فمع إطلالة الذكرى السبعين لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني، يجد المراقبون أنفسهم أمام معادلة نادرة: رجل صنع مرحلة، ومؤسسة صنعت تاريخا.
من هو حموشي؟ .. الرجل الذي جاء بهدوء وغير كل شيء
ولد عبد اللطيف حموشي عام 1966، وشق طريقه في صمت داخل الأجهزة الأمنية المغربية بعيدا عن الأضواء، متسلحا بكفاءة ميدانية عالية وحس استراتيجي حاد. تدرج في المناصب حتى عين مديرا عاما للمديرية العامة للأمن الوطني (DGSN) عام 2012، ثم جمعت له في سابقة لافتة قيادة المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DST) عام 2015، ليصبح الرجل الأمني الأول في المملكة بامتياز، في قرار ملكي يعكس مدى الثقة الموضوعة في شخصيته. “ماشي غير واحد لي جاء يدير”، بل رجل جاء بمشروع متكامل لإعادة هيكلة منظومة الأمن الوطني من الجذور.
سبعون سنة على التأسيس.. أين كنا وأين أصبحنا؟
تأسست المديرية العامة للأمن الوطني في عهد المغرب المستقل حديثا، لتضطلع بمهمة حماية الأمن الداخلي وصون النظام العام. سبعة عقود مرت على هذه المؤسسة العريقة، عاشت خلالها تحولات عميقة، من أجهزة تقليدية تعتمد على الحضور الميداني اليدوي، إلى منظومة أمنية حديثة تعمل بالذكاء الاصطناعي وقواعد البيانات الضخمة والتعاون الدولي المتشعب.
وإذا كانت السبعون سنة الأولى قد رسخت الأساس وبنت الهوية، فإن العقد الذي قضاه حموشي على رأس هذا الجهاز شكل قفزة نوعية لم تشهدها المؤسسة في تاريخها الحديث.
الإنجازات.. ملف بملف
أولا: التحديث الرقمي والتكنولوجي
أطلق حموشي مسارا طموحا لرقمنة الأمن الوطني، تجلى في إطلاق التطبيقات الرقمية للمواطنين، وتعميم بصمات الأصابع الإلكترونية، وتحديث منظومة جوازات السفر البيومترية وبطاقات التعريف الوطنية. “العملية مامشاتش كتبة ودفاتر”، بل أصبحت أتمتة شاملة تختزل الوقت والجهد على المواطن والموظف على حدٍّ سواء.
كما تم إحداث مراكز الاستدعاء الأمني وتطوير غرف العمليات بأحدث التقنيات، في إطار تحوّل رقمي شامل طال كل مديريات ومصالح الأمن الوطني.
ثانيا: الإصلاح المؤسسي والهيكلي
أعاد حموشي هيكلة المديرية من الداخل بإنشاء مديريات وأقسام متخصصة تستجيب للتحديات الأمنية المستجدة، على رأسها:
مديرية الشرطة القضائية المتخصصة في التحقيق الجنائي الحديث
مديرية مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب وما رافقها من تعزيز للقدرات الاستخباراتية
المديرية العامة للحراسة والشرطة الاستعجالية لضمان الاستجابة السريعة في الأزمات
“لجهاز ما بقاش كيخدم بنفس الطريقة القديمة”، المؤسسة تجددت من الداخل قبل أن تتجدد في الخارج.
ثالثا: الأمن السياحي ومحاربة الجريمة المنظمة
في ظل انفتاح المغرب على السياحة الدولية وتنامي الاستثمار الأجنبي، عمل حموشي على تعزيز منظومة الأمن السياحي بنشر وحدات أمنية متخصصة في المناطق الأثرية والفندقية والشواطئ. كما شهدت المملكة في عهده ضربات موجعة ضد شبكات الاتجار بالبشر والمخدرات، بتنسيق محكم مع الإنتربول والأجهزة الأمنية الأوروبية والأفريقية.
“مرضي ميمتو” لهؤلاء المجرمين، فقد وجدوا أمامهم جهازا لا يهادن ولا يتسامح.
رابعا: تأهيل الموارد البشرية
أولى حموشي اهتماما استثنائيا بالعنصر البشري باعتباره ركيزة أي جهاز أمني ناجح. فتح المجال أمام تكوين أجيال جديدة من الضباط في المعاهد الأمنية الوطنية والدولية، ورفع من مستوى الاشتراطات الأكاديمية في الالتحاق بسلك الشرطة، كما حرص على تطوير آليات التكوين المستمر لرجال ونساء الأمن داخل التراب الوطني وخارجه.
والأهم من ذلك، المضي قدما في تأنيث الأجهزة الأمنية وتمكين المرأة من تقلد مناصب حساسة وقيادية داخل المديرية، في رسالة واضحة مفادها أن “الأمن مشروع مجتمعي شامل”.
خامسا: التعاون الدولي والانفتاح على العالم
رسخ حموشي مكانة المغرب شريكا أمنيا موثوقا على الصعيدين الإقليمي والدولي. توطّدت العلاقات الأمنية مع دول الاتحاد الأوروبي، لا سيما إسبانيا وفرنسا وألمانيا، في مجالات مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة العابرة للحدود. كما انخرط المغرب بفاعلية في الاجتماعات الأمنية الأممية، وأصبح مرجعا أفريقيا في مجال التدريب الأمني وبناء القدرات.
“المغرب ما بقاش يتعلم بحال من قبل، بل أصبح هو من يُعلم.”
سادسا: مواجهة الإرهاب والتطرف
كانت هذه المعركة من أبرز التحديات التي واجهها حموشي فور توليه المهام. فبعد موجة الاستقطاب الجهادي التي عصفت بالمنطقة إبان بروز تنظيم داعش، نجح الجهاز الأمني المغربي في تفكيك عشرات الخلايا الإرهابية قبل تنفيذها لعملياتها، وهو ما نال إشادة دولية واسعة من كبرى الأجهزة الاستخباراتية في العالم. “ما خلاهمش يتحرّكو”، والنتيجة استقرار أمني يحسده عليه الكثيرون في المنطقة.
الذكرى السبعون.. ليست احتفالاً بل محطة للتأمل والمراجعة
في الذكرى السبعين لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني، لا يحتفل حموشي بالإنجازات فحسب، بل يضع المؤسسة أمام مرآة المستقبل. فالرهانات الأمنية تتجدد يوماً بعد يوم: الجريمة الإلكترونية، والإرهاب الرقمي، وشبكات التضليل والتجسس، والهجرة غير المشروعة، كلها تحديات تستوجب مؤسسة أمنية في حالة تجدد دائم.
“سبعين عام ما كانش حساب”، المؤسسة تشيخ بالسنوات لكنها تتجدد بالرجال وبالرؤية.
خاتمة .. الرجل والمؤسسة في مواجهة الغد
يظل عبد اللطيف حموشي نموذجاً فريداً للمسؤول الأمني الذي يجمع بين الانضباط المؤسسي والجرأة الإصلاحية والنَّفَس الاستراتيجي البعيد المدى. في عالم تتشابك فيه التهديدات وتتعقد فيه الأزمات، أثبت حموشي أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بالمؤسسة والكفاءة والثقة المتبادلة بين الجهاز الأمني والمواطن.
سبعون سنة مضت على تأسيس هذه المؤسسة العريقة، والصفحة الأجمل ربما لا تزال تُكتب.



