السفير 24
احتضنت فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، يوم الجمعة 8 ماي 2026، ندوة علمية نظمتها الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان، تحت عنوان: “التقييم البرلماني للسياسات العمومية بالمغرب: قراءة في مسار المأسسة والحصيلة”، وذلك في إطار النقاش المتواصل حول أدوار المؤسسة التشريعية في تعزيز الحكامة الجيدة وتطوير الأداء العمومي.
وشهدت الندوة مداخلة للأستاذ رشيد المدور، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، حيث قدم قراءة أكاديمية موسعة لمسار دسترة تقييم السياسات العمومية بالمغرب، وانعكاساته على طبيعة العلاقة بين البرلمان والحكومة.
وأكد الأستاذ المدور في مستهل مداخلته أن إسناد مهمة تقييم السياسات العمومية للبرلمان يمثل تحولا نوعيا في وظائف المؤسسة التشريعية، معتبرا أن البرلمان لم يعد مجرد جهاز للرقابة التقليدية، بل أصبح مطالبا بالاضطلاع بدور “الشريك الحقيقي” في صياغة وتتبع وتقييم السياسات العمومية.
وأوضح المتدخل أن تقييم السياسات العمومية، وإن كان منبثقا من وظيفة الرقابة البرلمانية، فإنه لا يهدف إلى مجرد انتقاد الأداء الحكومي أو تسجيل المواقف السياسية، بل يقوم على تشخيص الاختلالات واقتراح الحلول والتعديلات الكفيلة بتحسين نجاعة السياسات العمومية وجودة تدبيرها، في إطار مقاربة تقوم على التعاون المؤسساتي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وفي هذا السياق، شدد الأستاذ الجامعي على ضرورة التمييز بين ما وصفه بـ”النقد الهدّام” المرتبط أحيانا بمنطق المعارضة السياسية والصراع الحزبي، وبين “النقد البنّاء” الذي يسعى إلى تقييم الاختلالات بشكل موضوعي واقتراح بدائل عملية دون تعطيل السير العادي للمؤسسات أو تقويض الثقة في العمل الحكومي.
واعتبر أن التقييم البرلماني للسياسات العمومية يشكل اليوم أحد المؤشرات الأساسية على نضج التجربة الديمقراطية بالمغرب، بالنظر إلى كونه يعكس تطورا في فهم وظيفة البرلمان داخل النظام السياسي، وانتقاله من مجرد مؤسسة للمراقبة والمساءلة إلى فاعل مؤسساتي يساهم في تحليل أثر السياسات العمومية وتتبع نتائجها الاجتماعية والاقتصادية.
وربط الأستاذ المدور هذا التحول بالسياق السياسي والدستوري الذي أفرزه دستور 2011، مؤكدا أن هذا الأخير منح مكانة متقدمة لمفهوم “السياسات العمومية”، حيث ورد في عدد من الفصول الدستورية، ما دفع عددا من الباحثين إلى وصف دستور 2011 بـ”دستور السياسات العمومية”.
وأوضح أن دسترة تقييم السياسات العمومية لم تكن مجرد إضافة تقنية أو شكلية، بل جاءت في إطار توجه يروم إعادة ضبط العلاقة بين البرلمان والحكومة، وتعزيز أدوار المؤسسة التشريعية في تتبع أثر البرامج العمومية ومراقبة نجاعتها وفعاليتها على أرض الواقع.
كما توقف المتدخل عند طبيعة العلاقة بين الرقابة البرلمانية والتقييم البرلماني، موضحا أن الرقابة التقليدية غالبا ما ترتبط بمنطق المحاسبة السياسية والسجال الحزبي، في حين يركز التقييم على تحليل السياسات العمومية من زاوية النتائج والآثار ومدى تحقيق الأهداف المعلنة، مع اقتراح إجراءات عملية لتجاوز الاختلالات وتحسين الأداء العمومي.
وأكد الأستاذ المدور أن هذا التصور الجديد ينسجم أيضا مع مفاهيم الديمقراطية المواطنة والديمقراطية التشاركية، باعتبار أن تقييم السياسات العمومية لا ينبغي أن يبقى حكرا على الفاعل السياسي فقط، بل يفترض إشراك الخبراء والباحثين والمؤسسات الدستورية والهيئات المتخصصة، بهدف بناء تقييم قائم على المعطيات والأدلة العلمية بدل المواقف السياسية الظرفية.
وفي معرض حديثه عن الآليات الدستورية والمؤسساتية المرتبطة بالتقييم البرلماني، أشار المتدخل إلى أن الدستور المغربي لم يكتف بالتنصيص على مبدأ تقييم السياسات العمومية، بل أقر مجموعة من الوسائل العملية التي تمكن البرلمان من ممارسة هذا الاختصاص بشكل منتظم.
ومن بين هذه الآليات، أشار إلى الجلسة السنوية الخاصة بمناقشة السياسات العمومية وتقييمها، والتي تعقد بمجلسي البرلمان، إضافة إلى الجلسات الشهرية المتعلقة بالسياسة العامة التي يجيب خلالها رئيس الحكومة عن أسئلة النواب والمستشارين.
كما أبرز أهمية اللجان البرلمانية الدائمة في تتبع وتقييم البرامج العمومية، من خلال الاستماع إلى مسؤولي الإدارات والمؤسسات العمومية، وطلب الوثائق والمعطيات المرتبطة بتنفيذ السياسات العمومية، إلى جانب الاستفادة من تقارير المؤسسات الدستورية وهيئات الحكامة.
وفي هذا الإطار، شدد الأستاذ المدور على الدور الذي تضطلع به مؤسسات مثل المجلس الأعلى للحسابات والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، فضلا عن باقي هيئات الحكامة والمؤسسات الدستورية، في دعم البرلمان بمعطيات وتقارير تساعد على تقييم السياسات العمومية وفق مقاربة موضوعية قائمة على المؤشرات والأرقام.
وأوضح أن الدستور يتيح لرؤساء المجالس البرلمانية أو للجان المكلفة بالتقييم إمكانية طلب دراسات أو آراء من هذه المؤسسات، بما يعزز الطابع العلمي والمؤسساتي لعملية التقييم، ويقلل من هيمنة السجال السياسي على النقاش العمومي المرتبط بالسياسات العمومية.
وأشار المتدخل إلى أن نجاح ورش تقييم السياسات العمومية يظل رهينا بمدى تحويله من مجرد مقتضيات دستورية وقانونية إلى ممارسة مؤسساتية منتظمة وفعالة، قادرة على إحداث أثر حقيقي في جودة التدبير العمومي وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.
وفي ختام مداخلته، أكد الأستاذ رشيد المدور أن الرهان الأساسي اليوم لا يتعلق فقط بوجود النصوص أو الآليات، بل بمدى تفعيلها بشكل جدي ومسؤول، بما يكرس مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، ويجعل من البرلمان فاعلا حقيقيا في تطوير السياسات العمومية وتعزيز الثقة في المؤسسات الديمقراطية.



