
السفير 24
على امتداد عقود، رسخت الدار البيضاء مكانتها كعاصمة اقتصادية وثقافية نابضة بالحياة، بفضل ما تزخر به من دينامية فنية وسياحية واقتصادية. غير أن المدينة بدأت، خلال السنوات الأخيرة، تبرز في مجال علمي دقيق، لتتحول تدريجياً إلى مركز دولي واعد في أبحاث ما قبل التاريخ.
هذا التحول تعزز باكتشاف علمي بارز أعلن عنه في يناير الماضي، ويتمثل في العثور على أحفورات بشرية تعود إلى نحو 773 ألف سنة بموقع “طوما 1”، وهو ما أثار اهتماماً واسعاً داخل الأوساط العلمية العالمية.
وقد كشفت التنقيبات عن بقايا بشرية مهمة، من بينها ثلاثة فكوك، أحدها لطفل لا يتجاوز عمره سنة ونصف، إلى جانب فقرات وأسنان منفردة وعظم فخذ يحمل آثار افتراس. وتشير هذه المعطيات إلى أن هذه المجموعة البشرية تمثل مرحلة مفصلية في تطور الإنسان، خاصة في ما يتعلق بأصول الإنسان العاقل في إفريقيا ونظرائه في مناطق أخرى.
ولقيت هذه النتائج صدى دولياً كبيراً بعد نشرها في مجلة Nature، قبل أن تتناولها منصات علمية مرجعية مثل National Geographic وScientific American، ما يعكس الأهمية المتزايدة للأبحاث الأركيولوجية بالمغرب.
كما أكدت مجلة Science & Vie في عددها الصادر في مارس 2026 أن هذه الاكتشافات تقدم معطيات جديدة تعزز فرضية الأصل الإفريقي للإنسان، وتفتح آفاقاً جديدة لفهم السلف المشترك للأنواع البشرية.
وفي هذا السياق، أوضح عالم الآثار عبد الرحيم محب، مدير برنامج “ما قبل تاريخ الدار البيضاء”، أن هذه الأحفورات أسهمت في تجديد المعارف العلمية حول أصول الإنسان العاقل، مؤكداً أنها تكشف عن وجود مجموعة بشرية بشمال إفريقيا قريبة من جذور الإنسان الحديث.
وأشار المتحدث إلى أن هذا التقدم العلمي لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة أبحاث متواصلة منذ سنة 1978، مدعومة بقناعة راسخة بأهمية مواقع الدار البيضاء في سد الثغرات المرتبطة بتاريخ البشرية.
وتستفيد المنطقة من خصوصية جيولوجية فريدة، تمتد على ملايين السنين، وتضم كهوفاً ومواقع محفوظة بشكل استثنائي، ما يجعلها مرجعاً علمياً لدراسة تطور الإنسان المبكر.
كما تميزت هذه الأبحاث بدقة غير مسبوقة في تحديد عمر الأحفورات، حيث تم تأريخها إلى 773 ألف سنة، في إنجاز علمي مهم بالنسبة لمواقع العصر الحجري القديم بالمغرب.
وفي أفق تعزيز هذا المسار، تتواصل الجهود العلمية بمواقع رئيسية، من بينها مغارة البقايا البشرية ومقلع طوما 1 ومغارة وحيد القرن، بهدف اكتشاف مزيد من الأدلة التي تغطي مرحلة حاسمة من تطور الإنسان تمتد بين مليون و315 ألف سنة.
وتؤكد هذه الدينامية البحثية أن الدار البيضاء باتت تحتل موقعاً متقدماً ضمن الشبكات العالمية لدراسات ما قبل التاريخ، مع طموح متزايد لترسيخ مكانتها كأحد أبرز مراكز البحث في أصول الإنسان على الصعيد الدولي.



