في الواجهةكتاب السفير

هل باعت إيران “رِمال” الوهمِ للبوليساريو؟

هل باعت إيران "رِمال" الوهمِ للبوليساريو؟

le patrice

السفير 24 – باريس: جمال اشبابي

انشغلت شاشات الأخبار منذ أسابيع بضجيج “الحرب على إيران” والهدنة الهشة التي تلتها في ربيع يوم الثامن من إبريل، في الوقت الذي تتم في الكواليس عملية جرد كبرى لحسابات الربح والخسارة. ففي “مختبر” الجيوسياسية الدولية، فالصراعات لا تحسم فقط بضربات قاضية، بل بعمليات استنزاف مملة، حيث يبرز السؤال الذي يؤرق الصالونات السياسية: من هم “الأغبياء النافعون” الذين سيقدمون كقرابين في جولات الاستنزاف القادمة؟ المؤشرات تؤكد أن الكبار يتقنون فن “التراجع التكتيكي” بمجرد نضج الصفقات، تاركين “الوكلاء” يواجهون قدرهم المحتوم فوق أنقاض أوهامهم.
في طهران، يبدو أن “التقية السياسية” قد تحولت إلى بند مالي ضخم؛ فبين عامي 2024 و2026، قفزت ميزانية دعم “الأذرع الخارجية” بنسبة 25% لتستقر عند قرابة 11 مليار دولار. هذه المليارات لم تنفق لرفاهية الشعوب، بل لتحويل الوكلاء إلى “بيادق ظل” تهدف لإشغال الخصوم. وكما يشير أليكس فاتانكا (مدير برنامج إيران في معهد الشرق الأوسط)، فإن طهران لا تملك رغبة الانتحار في صدام مباشر مع واشنطن، بل تفضل تحريك بيادقها لجعل كلفة الاستقرار العالمي “غير محتملة”. لكن المشكلة في “المطبخ الإيراني” أن الطباخ دائما ما ينجو، بينما تحترق الأصابع التي تحرك الملاعق بالنيابة عنه، خصوصا حين تقرر القوى العظمى تسوية خلافاتها على مائدة المصالح الكبرى.
انتقلت العدوى الإيرانية مؤخرا من طور “التبشير الأيديولوجي” إلى طور “التدريب الميداني” العابر للقارات. التقارير التي يتداولها خبراء من وزن إيلان بيرمان (نائب رئيس مجلس السياسة الخارجية الأمريكي) تكشف عن “بيعة” مريبة؛ حيث تبيع طهران لميليشيات البوليساريو “رمال الوهم” مغلفة بقطع غيار طائرات “شاهد 136”. هي مَسيرات بلا مَصير حقيقي، فالمغرب الذي اعتمد “مشرط الجراح” منذ قطع علاقاته مع طهران في 2018، حصّن سماءه بمنظومات دفاعية جعلت من هذه الخردة الطائرة مجرد مبرر إضافي للمجتمع الدولي لتصنيف التحالف “الإيراني-الانفصالي” كتهديد صريح للملاحة والأمن الإقليمي. يبدو أن البوليساريو لم تستوعب بعد أن طهران لا تمنح السلاح لسواد عيون “تقرير المصير”، بل لتحويل الصحراء إلى منصة إزعاج مجانية في صراعها مع الغرب.
في مفارقة ساخرة، باتت مخيمات تندوف تشهد “خلطة” عجيبة؛ حيث يختلطُ غبار الصحراء ببرامج التدريب التي يشرف عليها مدربون من الحرس الثوري وحزب الله. هناك، في تلك الخيام، بدأ “المرتزقة” يتحدثون بلكنةٍ سياسية غريبة عن المنطقة، مستوردة مباشرة من “قُم”، تعتمد لغة التصعيد والوكالة الأجنبية. وببينما تستفيد الجزائر اقتصاديا من طفرة أسعار الغاز الناتجة عن توترات الخليج، تجد نفسها في حرج سياسي وهي تراقب هذا التغلغل داخل أراضيها؛ فاحتضان “وكلاء إيران” قد يحول المنطقة إلى مغناطيس للضربات الاستباقية أو العقوبات الدولية.
الحقيقة التي تُهمس في أروقة القرار هي أن هؤلاء “المتحدثين باللكنة الفارسية” في تندوف ليسوا سوى أوراق ضغط ثانوية، سيتم رميها في أقرب سلة مهملات دبلوماسية بمجرد توقيع طهران على اتفاق يضمن بقاء نظامها، ليجد المرتزقة أنفسهم وحيدين في العراء، بلا “شاهد” ولا مشهود.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى