
السفير 24
هذا المقال هو بيان بخصوص ما أثير مؤخراً حول منع الصلاة بمسجد الزاوية بمداغ، وللتوضيح فإن هذا الموضوع عرف العديد من المغالطات التي تم ترويجها، وسنعمل في هذا المقال على بيانها وتصحيحها من خلال مجموعة من النقط:
أولاً: المسجد في الحقيقة ليس مسجداً بالمعنى الذي يتم الترويج له، وإنما هو مشروع بناء معهد ديني أعطى انطلاقته شيخ الطريقة الراحل سيدي الحاج حمزة رحمه الله، ويتمثل في “معهد الفتح للعلوم الإسلامية والدراسات الصوفية”، وهو مؤسسة تعليمية تعنى بتدريس العلوم الشرعية والعربية والصوفية، تابعة للزاوية القادرية البودشيشية، ويقع مقرها في الزاوية الأم بمداغ.
والغاية منه هي تدريس العلوم الشرعية، إلى جانب معالم من التربية الروحية والتصوف السني المعتدل، الذي يشكل رافداً مهماً من روافد الهوية الدينية للمغرب، والتعريف بالطريقة ومنهجها، باعتبارها من أكبر الطرق الصوفية ومرجعاً في التصوف السني بالمملكة المغربية.
أما بخصوص فكرة المشروع، فأول من طرحها هو سيدي حمزة رحمه الله، حيث اقتنى وعاءً عقارياً يمتد على خمس هكتارات من أجل تنفيذ هذا المشروع وبلورته، وهو وعاء عقاري في ملكية خاصة تم وقفه وفق شروط محددة.
ولأجل الشروع في إنجازه، تم إحداث لجنة مكونة من كبار الطريقة، بالإضافة إلى مهندسين وخبراء، ويترأسها – بتوجيه من شيخ الطريقة آنذاك سيدي حمزة – الشريف مولاي محمد القادري بودشيش، نجل سيدي جمال رحمه الله، حيث تم تسليم المشروع لمكتب الدراسات، وتم إنجاز الدراسات الأولية، ثم الشروع في الأشغال من طرف المقاول المكلف بالمشروع، وكان على رأس اللجنة المكلفة بتتبع المشروع والتنسيق بين مكوناته الشريف مولاي محمد، وقد تم إنجاز نسبة مهمة من المشروع، قبل أن تتوقف الأشغال لفترة من الزمن.
وفي سنة 2017، وبتوجيهات ملكية سامية تم تشكيل لجنة تحت الإشراف المباشر لوالي الجهة كصاحب مشروع منتذب من أجل استئناف البناء، تحت التنسيق الفعلي والمباشر لفضيلة الدكتور الشريف مولاي محمد، نجل شيخ الطريقة الراحل سيدي جمال رحمه الله. وبالفعل، تم الحصول على رخصة من عامل إقليم بركان مؤرخة بتاريخ 24 مارس 2017، تحمل رقم 02/2017 بعنوان: “رخصة تسوية وتوسيع معهد الفتح بالزاوية القادرية البودشيشية بجماعة مداغ”.
وقد وافقت اللجنة من خلالها على توسيع وتسوية المعهد، مع التنصيص الصريح في هذه الرخصة على شرط أساسي جاء في آخر فقراتها:
“ولا يفتح هذا المعهد في وجه عموم المصلين لإقامة شعائر الدين الإسلامي الحنيف به إلا بعد الحصول على شهادة المطابقة من طرف مصالح هذه العمالة”.
وهو شرط واضح وصريح ولا يحتمل أي تأويل.
ثانياً: أما فيما يخص سياق وحيثيات إقامة صلاة الجمعة داخل هذا المعهد غير المكتمل البناء، فإن الأمر يعود إلى أواخر سنة 2019، وبالضبط يوم 13 دجنبر 2019، حيث تم إصدار قرار وزير الأوقاف رقم 418/19 لإحداث صلاة الجمعة، وذلك رغم عدم توفر شهادة المطابقة، وعدم الحصول على الموافقة الكتابية من أصحاب المشروع.
وعليه، فقد تم الترخيص في إطار استثنائي، خاصة وأن أقرب مسجد وهو مسجد أبو بكر الصديق الكائن في دوار الحرشة الزاوية قد تم هدمه وإعادة بناءه، وبالنظر أيضا للظروف الصحية لشيخ الزاوية آنذاك فضيلة الدكتور مولاي جمال الدين القادري بودشيش رحمه الله، فالأمر يتعلق برخصة استثنائية لا أكثر.
وبالتالي، فإن هذا الترخيص لا يغير من الطبيعة القانونية للبناية، ولا يجعل منها مسجداً تابعاً للأوقاف كما يتم الترويج له، فالجدير بالذكر أن الصلوات الخمس لم تكن تقام يوما في قاعة المعهد، وأن المعهد في تصميمه الهندسي الأصلي والنهائي لا يتوفر على صومعة، مع العلم ان مساجد صغيرة في قرى نائية وبسيطة تتوفر على صوامع.
مما يؤكد أن الأمر لا يتعلق بمسجد بل بقاعة صلاة داخل معهد ديني ما يزال في طور الإنجاز.
ويؤكد ذلك أن صلاة الجمعة أُقيمت والمعهد ما يزال قيد البناء، حيث لم ينته الشطر الأول من المشروع إلا بتاريخ 21 دجنبر 2021، تحت إشراف صاحب المشروع المنتدب الممثل في ولاية جهة الشرق، في حين لا يزال الشطر الثاني من المشروع منتظراً إلى حدود اليوم.
ثالثاً: أما بخصوص الأسباب الداعية إلى توقيف إقامة صلاة الجمعة، فقد سبق التأكيد على أن هذا الترخيص كان استثنائياً ومؤقتاً، وأن المعهد كان وما يزال في طور البناء والتوسعة.
لكن، ومع التقارير التقنية والميدانية للمهندسين المشرفين على المشروع، أصبح من اللازم الالتزام بالمقتضيات القانونية واتباع التدابير الوقائية المرتبطة بالسلامة، خاصة مع الرسائل التي توصل بها الدكتور مولاي محمد القادري بودشيش ومن معه صاحب المشروع.
فقد تم التوصل بتاريخ 14 فبراير 2023 برسالة من المهندسين تنص على ضرورة منع استغلال موقع البناء لعدم انتهاء الأشغال، ثم بتاريخ 14 شتنبر 2024 تم التوصل برسالة تذكير تؤكد نفس المنع، مع التنبيه إلى مخاطر الإهلاك وعدم سلامة الاستعمال.
وإلى جانب هذه المراسلات، تم تسجيل تشققات وتصدعات واضحة في عدد من أجزاء البناية، وهي معطيات ميدانية وتقنية لا يمكن تجاهلها، ولذلك فقد تمت بتاريخ 25 مارس 2026 معاينة حالة البناية والشقوق المتواجدة بها من طرف مختبر المراقبة S2G.
وبناءً على ذلك، تم بنفس التاريخ اعلام السيد القائد بملخص محضر إغلاق موقع البناء، وذلك وفق مقتضيات الفصلين 55 و57 من القانون 90-12، والقانون 12-66 من الظهير 2-18-577.
رابعاً: أما الوضعية الحالية للبناء، فيعرف استئناف الأشغال من أجل استكماله إلى حين الحصول على شهادة المطابقة.
ومن هنا، فلا مجال للمزايدة أو التأويل الخاطئ لهذا الموضوع، ولا يصح رفع شعارات من قبيل “منع صلاة الجمعة” أو الادعاء بوجود نية لإغلاق المسجد، لأن حقيقة الأمر واضحة، وتتعلق حصراً بالحفاظ على سلامة المرتفقين الذين يقصدون هذه البناية. حيث إن القرار في هذا الشأن ليس بيد أشخاص أو جهات بعينها، بل هو من اختصاص المهندسين والخبراء والتقنيين، الذين أكدوا، من خلال تقاريرهم ومراسلاتهم المتكررة، ضرورة استكمال الأشغال والتأكد من مطابقتها لمعايير السلامة.
فما يتم الترويج له على أنه “منع لصلاة الجمعة” ليس إلا قراءة مغلوطة لوضع تقني وقانوني واضح، يفرض التريث إلى حين استكمال الأشغال والحصول على شهادة المطابقة.
وعليه، فإن التعامل مع هذا الموضوع يجب أن يتم بمسؤولية ووعي، بعيداً عن أي مزايدات أو تأويلات.




تعليق على البيان:
بيانكم يقول إنه ليس مسجدًا بل معهدًا. القرار الوزاري 418/19 يقول إنه مسجد مدرج في السجل الوطني للمساجد. فمن نصدّق — بيانكم أم وزارة الأوقاف؟
بيانكم يتحدث عن السلامة ورسائل مهندسين منذ 2023. فلماذا لم تُوقف الصلاة حينها؟ ولماذا لم تُثَر هذه الرسائل إلا بعد تعيين سيدي معاذ؟
بيانكم تجاهل حقيقة يعرفها أهل مداغ جميعًا: صلاة الجمعة كانت تُقام في هذا المسجد في حياة سيدي جمال رحمه الله، بحضور سيدي منير نفسه، دون اعتراض ولا حديث عن معهد ولا صومعة ولا سلامة. فمن حضر وصلّى ولم يعترض — لا يحقّ له اليوم أن يقول: لم يكن مسجدًا.
وأما اللجنة المشتركة التي عاينت المسجد يوم 30 مارس 2026 — فقد قالت كلمة واحدة أسقطت كل ما في بيانكم: الأسباب واهية.
الرأي العام يتابع، والقانون واضح. والمطلوب بسيط: أن يُفتح المسجد أمام المصلين، وأن يتحمّل من خرّبه مسؤوليته. لأن ما بُني بهبة ملكية وسُجّل بقرار وزاري — لا يُشطب ببيان.