
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
تحول حضور المؤثرين المغاربة في المنصات الرقمية خلال السنوات الأخيرة من مجرد محتوى ترفيهي عابر إلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية مؤثرة، توسعت حدودها لتلامس أدوارا كانت محصورة في مؤسسات رسمية وإعلامية. ومع نهاية 2024 وبداية 2025، صار من الواضح أن المغرب يمتلك “وزارة غير معلنة” تعمل بكامل نشاطها داخل الهواتف الذكية، وتعيد تشكيل حتى مسار النقاش العام بخفة لا تشبه ثقل البيروقراطية التقليدية.
هذا التحول لم يعد مجرد انطباع شعبي. فبحسب بيانات رسمية لمكتب الصرف في نونبر 2024، تم تسجيل فئة “صناع المحتوى الرقمي” كناشطين اقتصاديين يخضعون لنفس الضوابط الضريبية المعمول بها في المهن الحرة. خطوة فسرها مختصون بأنها اعتراف مؤسساتي متأخر بدور المؤثرين في اقتصاد الانتباه، وأن الجمهور لم يعد يتلقى الأخبار فقط من القنوات الرسمية بل من قصص قصيرة لا تتجاوز مدتها 15 ثانية.
في الميدان السياحي، أخذت الظاهرة بعدا أوضح. فقد تطورت إستراتيجية المكتب الوطني المغربي للسياحة نحو مخاطبة الجيل الشاب عبر المؤثرين الدوليين. المبادرة التي ظهرت سنة 2024 تحت اسم “Trend House” — وأعلن عنها المكتب رسميا — اعتمدت على استضافة مؤثرين عالميين لتقديم صورة المغرب من منظورهم الخاص، بعيدا عن الإعلانات التقليدية. وفي صيف 2025، عززت حملة المكتب بالشراكة مع منصة Wego هذا الاتجاه، حيث شارك عشرات المؤثرين في الترويج لوجهات مثل شفشاون وأكادير عبر محتوى حصد ملايين المشاهدات في السوق العربية.
لكن الأثر الأكبر للمؤثرين يظهر في الداخل. خلال الأشهر الأخيرة فقط، سجلت عدة قضايا اجتماعية ارتفاعا غير مسبوق في التفاعل الشعبي لحظات بعد تداولها على حسابات مؤثرين كبار. قضايا تتعلق بالصحة والتعليم والبنيات التحتية انتقلت من الهامش إلى مقدمة النقاش الوطني، أحيانا قبل أن تصدر بيانات رسمية حولها. ويلاحظ خبراء الإعلام أن بعض المؤسسات العمومية صارت تتفاعل مع “ضغط السوشيال ميديا” بسرعة تفوق تفاعلها مع المساطر الإدارية.
ورغم أن المؤثرين أنفسهم لا يعرفون عملهم باعتباره نشاطا “عموميا” بالمعنى المؤسساتي، إلا أن المتابعة الواسعة حولتهم عمليا إلى جهة رقابية غير رسمية. جهة ترفع صوت المواطن، وتحرك المزاج العام، وتدفع المسؤولين للتوضيح أو الاعتذار، في مشاهد أصبحت مألوفة خلال السنتين الأخيرتين.
في المقابل، يثير هذا النفوذ المتزايد نقاشا داخل الأوساط السياسية والإعلامية حول حدود التأثير، وغياب إطار قانوني يحدد المسؤوليات الأخلاقية والمهنية لصناع المحتوى. فبينما يرى البعض في “الوزارة الرقمية غير المعلنة” قوة إيجابية تضخ الحيوية في النقاش العام، يخشى آخرون من ابتعادها عن المعايير التحريرية والموضوعية، في وقت أصبحت فيه منشورات فردية قادرة على تغيير مسار قضية أو تلطيخ سمعة مؤسسة.
ورغم هذا الجدل، يبدو أن المسار بات واضحا: المؤثرون المغاربة أصبحوا جزءا من المشهد العمومي، سواء اعترف بهم رسميا أم لا. تأثيرهم يتسع، وجمهورهم ينمو، وقدرتهم على خلق موجات رأي عام تتجاوز أحيانا سرعة القرار الرسمي. وبين خطاب تقليدي يعاني من الجمود، ورسالة رقمية تنتشر في ثوان، يختار المواطن غالبا الطريق الأقصر.
وفي انتظار أن تحدد الدولة إطارا واضحا لهذا الفاعل الجديد، تستمر “الوزارة غير المعلنة” في العمل بلا مقر، بلا ميزانية، وبعدد من المتابعين يفوق عدد الأصوات التي يحصل عليها أكثر من حزب سياسي في البلاد.



