
السفير 24 – غيور بوشعيب
في ظل الأوضاع التي تعيشها المملكة المغربية، حيث تشهد بعض المدن وقفات احتجاجية ومظاهرات للتعبير عن مطالب اجتماعية واقتصادية، تطفو على السطح آية قرآنية خالدة تحمل بين طياتها الحكمة والنجاة: «ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة».
هذه الآية الكريمة ليست مجرد موعظة دينية، بل هي مبدأ عملي ورسالة عميقة لكل من يسعى إلى التغيير أو الإصلاح. فالمجتمع يحتاج إلى صوتٍ حرٍ ومطالب مشروعة، لكن في إطار السلمية والعقلانية التي تصون الأرواح وتحمي الممتلكات. أما الانجرار وراء العنف والتخريب فهو تهلكة حقيقية، لا تخدم لا الوطن ولا المواطن، بل تفتح الباب أمام الفوضى وتضيع معها الحقوق قبل أن تتحقق المطالب.
لقد أثبت التاريخ أن الاحتجاج السلمي المنظم هو الطريق الأمثل لإسماع الصوت وفرض الإصلاحات، بينما التخريب يحول القضية من مطلب عادل إلى تهمة جنائية، ويعطي المبرر لكل من يريد الالتفاف على المطالب المشروعة. من هنا يأتي النداء الرباني: «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة»، أي لا تُضيّعوا أنفسكم ومطالبكم بأفعال غير محسوبة العواقب.
إن المغرب في حاجة إلى شباب واعٍ، يرفع صوته بالحق دون أن يكسر واجهة محل، ويهتف من أجل العيش الكريم دون أن يحرق حافلة تنقل أبناء الشعب. فالحكمة تقتضي أن يكون الاحتجاج وسيلة للضغط الإيجابي، لا بابًا للفوضى والخراب. وهنا يظهر الفرق بين من يخرج من أجل التغيير ومن يندس وسط الجموع من أجل التدمير.
إننا اليوم أمام مفترق طرق: إما أن نختار طريق السلمية التي تحفظ الوطن وتحقق المطالب، وإما أن نلقي بأنفسنا جميعًا إلى التهلكة عبر الانجرار وراء الانفعال والتخريب. إنها مسؤولية جماعية تفرض علينا أن نتعامل بوعي مع هذه المرحلة، وأن نستحضر دومًا أن الحفاظ على الاستقرار هو الضمانة الأساسية لتحقيق الإصلاح.
إن الآية الكريمة «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» ليست خطابًا للمتدينين وحدهم، بل هي دستور حياة لكل مواطن. هي دعوة للتعقل في زمن الغضب، ورسالة إلى كل من يحتج بأن يجعل صوته أداة للبناء لا وسيلة للهدم. فالمغرب وطننا جميعًا، وإن خسرناه فلن يربح أحد.



