
السفير 24
إصرار الحراك على مواصلة التظاهر ورفع شعارات محرجة لالتزامات الحكومة، وفي مقدمتها الدعوة إلى التراجع عن تنظيم كأس العالم سنة 2030، يعتبر إحراجاً كبيراً للمملكة، ولا سيما أن هذا التنظيم سيكون فرصة أمام بلادنا لدعم القطاع السياحي الذي يُعد من أهم القطاعات التي تدر مداخيل مهمة، خصوصاً وأن المغرب دخل في تنافس مع الجارة الشمالية ودول في شمال إفريقيا التي تعرف استقراراً نسبياً.
إن الحراك الشعبي الذي رفعت فيه شعارات تُطالب بتحسين الأوضاع الاجتماعية للمواطنين، وتوفير فرص الشغل، والتخفيف من الغلاء الفاحش، والرفع من المستوى المعيشي للمواطن المغربي الذي بات يعاني في السنوات الأخيرة، إضافة إلى تدهور قطاعات حيوية مثل قطاع الصحة، يعكس حجم الاحتقان الاجتماعي. كما لا بد من الإشارة كذلك إلى غياب فرص العمل والتوظيف لفائدة الكفاءات التي أنهت دراستها في الجامعات والمعاهد العليا.
إن جيل التحدي الذي خرج في مختلف المدن والبوادي، بعيداً عن تأطير الأحزاب السياسية التي لم تعد مطلقاً مقنعة للغالبية القصوى من المجتمع، يشكّل أكبر تحدٍّ أمام هذه الحكومة أولاً، وأمام كل الأحزاب بدون استثناء. هذا العامل الجديد أصبح يشكل خطورة على المجتمع في ظل غياب التربية السياسية لدى شريحة واسعة من الشباب، بسبب الفساد الذي تورطت فيه العديد من الأحزاب السياسية، والذي كان سبباً في القطيعة التي أصبحت واقعاً حقيقياً داخل المجتمع المغربي.
إن غياب دور الأحزاب السياسية في تأطير الشباب ناتج عن فشل مكونات الحكومة الحالية في تدبير شؤون البلاد، وكذلك عن مقاطعة الشباب المغربي لغالبية الأحزاب السياسية التي راكمت الفشل في تدبير المجالس المنتخبة وشؤون الدولة، فضلاً عن تورط العديد منها في النهب والاختلاس. هذا العامل جعل غالبية الشباب يفقدون ثقتهم في النخب السياسية المغربية، وقد ظهر ذلك جلياً في المظاهرات التي شهدتها مختلف المدن.
إننا أمام معضلة خطيرة في المجتمع المغربي، خصوصاً عندما يصرّح الشباب بسحب ثقتهم من الأحزاب السياسية، سواء المكونة للحكومة أو الموجودة في المعارضة. فرغم التصريحات القليلة التي خرج بها بعض السياسيين من داخل الحكومة، فإن الشارع مصرّ على مطالبة الحكومة الحالية بتقديم استقالتها، لأنها حكومة فشلت في تدبير شؤون البلاد، وفي تحقيق مطالب الشارع المتمثلة في سن سياسة تضمن الكرامة، وتحترم الحق في الحرية والتعبير، وتقطع مع الفساد.
ورغم التصريحات التي خرج بها رئيس الحكومة، والتي لم تكن مقنعة لوقف حركة الاحتجاج، فإن أمل الوصول إلى التهدئة بات مستحيلاً في ظل الاعتداءات التي طالت ممتلكات المواطنين، ومسلسل التخريب والبلطجة الذي ذهب ضحيته العديد من المحلات التجارية والمؤسسات البنكية. هذا يُعد تجاوزاً خطيراً لا يمكن القبول به، وخروجاً عن القانون الذي يجب احترامه، وهنا يبرز غياب التأطير الحزبي في الأحداث التي عرفتها العديد من المدن المغربية.
لقد تجاوز الشارع المغربي كل الحدود، ومواجهة الأحداث بالمقاربة الأمنية كان خطأً فادحاً. إن غياب التأطير وعدم احترام القانون، والتدخلات العنيفة لقوات الأمن، شكّل خطراً كبيراً وأساء لصورة البلاد. إن العودة إلى الاستقرار تتطلب لغة أخرى في مواجهة الأحداث، وهي لغة الحوار، والابتعاد عن تدبير المظاهرات بالمقاربة الأمنية وحدها.
إن صورة المغرب، وهو مقبل على تنظيم تظاهرات قارية وعالمية، تستلزم تصحيح صورة العنف الذي استُعمل من طرف القوات العمومية، وتُلزم الحكومة بالاستجابة لمطالب الشارع المغربي وضمان حريته، عوض استعمال المقاربة الأمنية كجواب عن تلك المطالب.
ولابد من الآن فصاعداً من الاستماع إلى نبض الشارع في حل كل المشاكل، وعلى الأحزاب السياسية التي تتلقى الدعم من الدولة أن تتحمل كامل المسؤولية في تأطير المواطنين. كما يجب على الحكومة الحالية أن تستجيب لمطالب الشارع المغربي حتى يتحمل كل طرف مسؤوليته في طي هذه الصفحة.
إننا أمام منعرج خطير، والحكومة الحالية تتحمل كامل المسؤولية في الأحداث التي وقعت، وعليها أن تتحمل وزرها وتستجيب لمطالب الشارع المغربي عبر مرحلة انتقالية والتحضير لانتخابات في سقف زمني لا يتعدى شهرين. وعلى الأحزاب السياسية، سواء في الحكومة أو المعارضة، أن تأخذ العبرة مما وقع حتى لا يتكرر.
وفي الختام، نصيحة للشباب أن يتحملوا مستقبلاً كامل المسؤولية في تأطير الحركات الاحتجاجية، حتى لا تتحول إلى فرصة للبلطجية للمساس بالأمن العام والاعتداء على ممتلكات الدولة والخواص.



